الفصل الرابع: في خلود أهل الجنة والنار
الجزء ١ · صفحة ١٤٦هذا البيت إشارة إلى الرد على الفرقة القائلة بعدم تخليد أهل النار فيها، وذلك: أنهم زعموا أنه يأتي على النار وقت تصفق أبوابها وليس بها أحد، فينبت فيها شجر الجرجير، وتشبثوا في ذلك بحديث يروى عن طريق ابن عمرو بن العاص «ليأتين على جهنم يوم تصفق فيه أبوابها، ليس فيها أحد، وذلك بعدما لبثوا فيها أحقاباً»( 13) وبقوله (تعالى) في شأن إبليس: (وإن عليك لعنتي إلى يوم الدين)( 14) قالوا: فاللعنة مغياة بذلك اليوم، فيفهم منه أنه لا لعن بعد ذلك اليوم، وإذا ثبتت هذه الرحمة لإبليس فغير إبليس من سائر العصاة أولى بها وأحق، والجواب عن الحديث، أنه آحادي، لا يعارض القطعيات، فلو صح لم يفد علماً فلا ينبني عليه اعتقاد، كيف وتأويله محتمل، بأن يقال أنهم يخرجون من النار إلى واد هو أشد عذاباً منها، يقال له الزمهرير، يعذبون فيها بالبرد، يروى أنهم إذا دخلوا فيه استغاثوا منه إلى النار(15 )، وأما الآية فلا تفيد ما ذكروه، وعلى تقدير إفادتها لذلك فإنما هو مفهوم مخالفة، واختلف في ثبوت حجيته في الظنيات، فكيف يبنى عليه اعتقاد؟ بل وكيف يعارض به القطعي الوارد في قوله (تعالى): (قال فالحق أقول لأملأن جهنم منك وممن اتبعك منهم أجمعين)( 16) والقطعي الوارد في قوله (تعالى): (بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون)( 17)، في أمثالها من الآيات العديدة التي نبذوها وراء ظهورهم واستبدلوا عنها هوى أنفسهم فضلوا وأضلوا، فحكمهم أنهم كفار نعمة لما تقدم من تأويلهم، كذا قيل فيهم، وعليه مشيت في النظم، ثم ظهر لي بعد ذلك أنهم مشركون، وأن ذلك التأويل ليس بمستر لهم عن الكفر، فهم في حكم المكذبين لهذه الآيات كلها، والله أعلم.