المجازاة وحروفها
الجزء ١ · صفحة ٧٣و تقول: آتيك إذا احمر البسر، ولو قلت: آتيك إن احمر البسر كان محالاً؛ لأنه واقع لا محالة.
فإن اضطر الشاعر جاز أن يجازي بها لمضارعتها حروف الجزاء؛ لأنها داخلة على الفعل وجوابه. ولا بد للفعل الذي يدخل عليه من جواب. فمما جاء ضرورةً قوله:
ترفع لي خندفٌ والله يرفع لي … ناراً إذا ما خبت نيرانهم تقد
و قال الآخر:
إذا قصرت أسيافنا كان وصلها … خطانا إلى أعدائنا فنضارب
الجيد ما قال كعب بن زهير:
و إذا ما تشاء تبعث منها … مغرب الشمس ناشطاً مذعورا
و هذه إذا التي تحتاج إلى الجواب.
ول إذا موضع آخر وهي التي يقال لها: حرف المفاجأة. وذلك قولك: خرجت فإذا زيدٌ، وبينا أسير فإذا الأسد. فهذه لا تكون ابتداء.و تكون جواباً للجزاء كالفاء. قال الله عز وجل: " و إن تصبهم سيئةٌ بما قدمت أيديهم إذا هم يقنطون " ، لأن معناها: قنطوا؛ كما أن قولك: إن تأتني فلك درهم إنما معناه: أعطك درهماً.
هذا باب مسائل المجازاة وما يجوز فيها وما يمتنع منها تقول: إن تأتني آتك، وإن تأتني فلك درهم. هذا وجه الجزاء وموضعه. كما قال عز وجل " إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف وإن يعودوا فقد مضت سنة الأولين " .
فالأصل الفعل، والفاء داخلةٌ عليه؛ لأنها تؤدي معناه؛ لأنها لا تقع إلا ومعنى الجزاء فيها موجود، يقول الرجل: قد أعطيتك درهماً، فتقول: فقد أعطيتك ديناراً. أي من أجل ذاك. ويقول: لم أغث أمس فتقول: فقد أتاك الغوث اليوم. ونقول: إن أتيتني فلك درهمٌ، لأن معناه: إن تأتني. ولو قلت: إن أتيتني آتك لصلح؛ كما قال الله عز وجل: " من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوف إليهم " ، لأن معناه: من يكن. وكذلك لو قال: من يأتني أتيته لجاز، والأول أحسن؛ لتباعد هذا عن حرف الجزاء. وهو جائز؛ كما قال الشاعر:
من يكدني بسيىءٍ كنت منه … كالشجا بين حلقه والوريد
و أعدل الكلام: من أتاني أتيته، كما أن وجه الكلام: من يأتني آته.
و تقول: من أتاني وتبسط إلي أكرمه؛ لأن من أتاني في موضع من يأتي. لا تقع بعد الجزاء إلا ومعناها الاستقبال. والأحسن من أتاني وأكرمني أتيته. كما أن الأحسن: من يأتني ويكرمني آته. فهذه أصولٌ، ثم نذكر بعدها العطف منسقاً، ونكثر في ذلك من المسائل لنوضح أمره إن شاء الله.
فإذا قلت: من يأتني آته. ف من هي لهذا الفعل؛ لأنها اسم فلم يدخل معها اسمٌ آخر.
و لو قلت: إن يأتني آته على غير مذكور قبل كان محالاً؛ لأن الفعل لا فاعل فيه، لأن إن إنما هي حرف جزاء وليست باسم. وكذلك جميع الحروف.
و تقول في الاستفهام: من جاءك وأيهم ضربك؟ وما حبسك؟ لأنها أسماء.
فإن قلت: أحبسك؟ أو هل حبسك؟ لم يكن بدٌ من ذكر الفاعل؛ لأن هذه حروف. فليس في الأفعال فاعلون.
و كذلك الظروف التي لا تكون فاعلةً إذا ذكرتها لم يكن بدٌ من ذكر الفاعل معها. ولو قلت: أين يكن أكن، لم يكن كلاماً حتى تقول: أين يكن زيدٌ أكن.
و كذلك في الاستفهام إذا قلت: أين يكون زيد؟ ومتى يخرج زيد؟ تعني المذكور. فعلى هذا يجري ما ذكرت لك.
و لو قلت: من من يأتني آته. إذا جعلت من الأولى استفهاماً وجعلت الثانية جزاءً كان جيداً. فتكون الهاء في آته ترجع إلى من التي هي استفهام. وتقديرها: أيهم من أتاني من الناس أتيته، أي: من أتاني آتٍ هذا الذي أسأل عنه.
و نظيره: هند من ضربني ضربتها. أي إن ضربني أحد ضربت هندا.
و تقول: ما من يأتني آته؛ لأن ما حرف نفي والحروف لا يرجع إليها شيء ولا إلى الأفعال، إنما نفيت بهذا هذه الجملة.
فإن جعلت ما اسماً وجعلتها استفهاماً أو جزاءً أو في معنى الذي لم يكن بدٌ من راجع إليها.
فأما الجزاء فقولك: ما تركب أركب. والأحسن ما تركب أركبه نصبت ما بتركب وأضمرت هاءً في تركب.
و لو قلت: ما تركب أركب لجاز. ولا يكون ذلك إلا على إرادة الهاء؛ لأنه معلق بما قبله، وذلك في المعنى موجود.
و في الاستفهام ما حبسك؟ والمعنى : أي شيءٍ حبسك؟ و كذلك: ما أكلته؟ أي: أي شيءٍ أكلته؟ فإن حذفت الهاء نصبت ما لأنها مفعول بها كقولك: أيهم ضربت؟ كما تقول: زيداً ضربت.
و في موضع الذي قوله: ما يسرني يسرك.