المجازاة وحروفها
الجزء ١ · صفحة ٧٤و تقول: من يأتنا نأته مكرمين له، نصبت مكرمين على الحال والعامل فيها نأته. ولو أردت أن يكون الفعل الأول عاملاً في الحال لقلت: من يأتنا مكرمين له نأته. تريد من من يأتنا في حال إكرامنا إياه نأته. ولو أردت أن يكون مكرمين عاملاً فيها نأته وقد قدمتها جاز؛ كما تقول: مسرعاً جاء زيد.
و نقول في مسائل طوال يمتحن بها المتعلمون " من يأته من إن يأتنا نأته عامدين تأت يكرمك " .
إن رفعت يكرمك فالمسألة جيدة. لأن تقديرها: من يأته زيد يأت في حال إكرامه لك. والأجود أن تقول: تأته يكرمك، لتشغل الفعل بالمفعول إذ كان خبراً. والحذف جائز وليس بجيد. وقولك: من إن يأتنا نأته اسم واحد بمنزلة زيد.
و لو جزمت يكرمك على البدل لم يصلح إن أبدلته من تأت؛ لأن يكرمك لغيرك. فإن جعلته بدلاً من شيء في الصلة لم يصلح، لخروجه عنها. ولكن لو قلت: إن تأتني أعطك أحسن إليك جاز وكان حسناً؛ لأن العطية إحسان. فلذلك أبدلته منه. ومثل ذلك قوله عز وجل: " ومن يفعل ذلك يلق أثاماً يضاعف له العذاب " ؛ لأن لقي الأثام هو تضعيف العذاب. وكذلك قول الشاعر:
متىتأتنا تلمم بنا في ديارنا … تجد حطباً جزلاً وناراً تأججا
لأن الإتيان إلمام؛ كما قال:
إن على الله أن تبايعا … تؤخذ كرهاً أو تجيء طائعا
لأن قوله: تؤخذ أو تجيء بتأويل المبايعة.
و لو قلت: من يأتنا يسألنا نعطه على البدل لم يجز إلا أن يكون بدل الغلط.كأنك أردت: من يسألنا نعطه فقلت: من يأتنا غالطاً أو ناسياً ثم ذكرت فاستدركت فوضعت هذا الفعل في موضع ذلك. ونظيره من الأسماء مررت برجل حمار.
و تقول: من يأتني من إن يأته الذي هندٌ أخته يأته أعطه فالمعنى: إن يأتني زيد أعطه، لأن هذا الكلام كله في صلة من.
و تقول: أي القوم المنطلق آباؤهم إن يأتك الكاسيه ثوباً تكرمه. فتقدير المسألة: أي القوم إن يأتك أبوه تكرمه، وأي هنا استفهام.
و تقول: أيهم يأته الشاتم أخاه المعطيه درهماً ينطلق إليه. فمعناه: أيهم يأته زيدٌ ينطلق إليه. فما ورد عليك من المسائل فقسه على هذا إن شاء الله.
هذا باب ما يرتفع بين المجزومين وما يمتنع عن ذلك تقول: إن تأتنا تسألنا نعطك. تريد: إن تأتنا سائلاً، كما قال:
متى تأته تعشو إلى ضوء ناره … تجد خير نار عندها خير موقد
أراد: متى تأته عاشياً إلى ضوء ناره تجد. وقال الآخر:
ومن لا يزل يستحمل الناس نفسه … و لا يغنها يوماً من الدهر يسأم
فقوله: يستحمل الناس نفسه إنما هو خير يزال كأنه قال: من لا يزل مستحملاً. ولو قلت: من يأتنا ويسألنا نعطه على هذا كان محالاً، لأنك لا تقول: متى تأته وعاشياً ولا جاءني زيد وراكباً. ولكن إن أضمرت جاز فقلت: إن تأتنا وتسألنا نعطك. تريد: إن تأتنا وهذه حالك نعطك. والوجه الجيد إن تأتنا وتسألنا نعطك.
و تقول: إن تأتنا ثم تسألنا نعطك. لم يجز إلا جزم تسألنا، لأن ثم من حروف العطف. ولا يستقيم الإضمار هاهنا بعدها. ولو قلت: إن تأتنا ثم تسألنا، تريد: ثم أنت تسألنا تريد الحال لم يصلح؛ لأن ثم لما بعد؛ ألا ترى أنك تقول: لقيت زيداً وعمرو يتكلم أي: لقيت زيداً وعمرو هذه حاله: كما قال الله عز وجل: " يغشى طائفةً منكم وطائفةٌ قد أهمتهم أنفسهم " . أي إذ طائفةٌ في هذه الحالة. ولو وضعت ثم هاهنا لم يستقم.
و تقول: من إن يأته زيد يكرمه يعطك في الدار. ف من في موضع الذي، وإن للجزاء ويكرمه حال معناها مكرماً له. ويعطه جواب الجزاء، وفي الدار خبر من.
و لو قلت: من يأتني آته أحسن إليه كان جيداً. يكون أحسن إليه حالاً ويكون منقطعاً من الأول. كأنك لما تم الكلام قلت: أنا أحسن إليه.
و تقول: من يأتني آته. وأكرمه، ومن يأتني آته فأكرمه، ومن يأتني آته أكرمه. وكذلك جميع حروف العطف التي تقع هاهنا، وإن شئت قلت: من يأتني آته وأكرمه، أي وأنا أكرمه، وإن شئت على الحال، وإن شئت فصلته مما قبله، وجعلتها جملة معطوفة معلقة بجملة.
و تقول في الفاء: من يأتني آته فأكرمه على القطع من الأول وعطف جملة على جملة؛ وكذلك ثم.