كتاب الملتقى الدولي الثاني للعلامة امحمد بن يوسف اطفيش كمال بابكر

23 الذات والآخر في تيسير التفسير

الجزء ١ · صفحة ٤٣

الرّأي والاجتهاد.

وفي المقابل ثبَّت أصالة مذهب الإباضيّة ممَثّلا في جابر بن زيد السّابق في الوجود وفي العلم، وردّ التهم الموجهة إلى أصحاب مذهبه(1).

إنّ هذا الجهد الّذي يبذله اطفيش في ردّ الاعتبار لعقيدته، يعكس ما لقيه أصحابه الإباضيّون من الضيْم، من قبَل الأمويّين. وقد اغتنم الشّيخ بعض المواضع في القرآن ليقلّل من قيمة مُلك بني أميّة ويشهّر بضلالهم(2)، ويربط بين ذكر بعض عادات الأمويّين السّيئة، وبين الإشارة إلى بقايا تلك العادات وما أضيف إليها من شتم للإباضيّة(3).

ومن المعلوم أن المذهب الإباضيّ عانى مقاومة عنيفة، ومطاردةً دائمة من الدّولة العبيديّة الشّيعيّة في شمال الجزائر، فنزحت الإباضيّة إلى وارجلان الرّستميّة، وأخذ بعض الإباضيّة في إنشاء مدينة جديدة هي سدراتة كانت تقع جنوب وارجلان من النّاحية الغربيّة، وكان ذلك في ق4ه/10م. ثمّ بعد ذلك وفي ق7ه/13م بدأت جيوش المرابطين تغير على هذه المدينة وتمّ القضاء عليها، ونزح الإباضيّون إلى وادي ميزاب، وبعضهم يقول إنّهم نزحوا منذ ق5ه/11م(4).

وفي هذا الواقع المتأزّم الذي ذاقت فيه الإباضيّة مرارة التّضييق والحصار الفكريّ خاصّة، أنشأ أتباع المذهب "نظام العزّابة"، ذلك النظام الداخليّ الذي يحتكمون إليه حسب مبادئهم وأصول عقيدتهم، وقد أشار إليه اطفيش في الكتاب(5).

فقد لجأ الإباضيّة إلى "نظام العزّابة" حفاظا على وجودهم وعقائدهم المتناقضة أشدّ التّناقض مع المذاهب الشّيعيّة المتطرّفة الحاكمة آنذاك(6). يقول التونسيّ الأستاذ محمد الطّالبي: « .. فلقد اهتدى الإباضيّون بفضل إخلاصهم لمبادئهم لإيجاد الحلول الملائمة للوضع في كلّ الملابسات الّتي مرّوا بها، وبالرّغم عمّا واجهتهم من رياح متعاكسة لمْ تستطع أن تفني أثرهم إلى اليوم، ومن جملة هذه الحلول الطّريقة الّتي مكّنت أصحاب المذهب الإباضيّ من المحافظة على كيانهم؛ نظامُ العزّابة الّذي بقي قائمًا بجربة إلى عهد ليس بالبعيد والّذي بقي العمل به إلى اليوم في وادي ميزاب. فهذا النّظام الجدير بالعناية وبالبحث لا لأنّه يفيد أيضا الباحث

(1) ـ انظر مثلا أعوشت: وادي ميزاب 1412ه/1991 ص 37.

(2) ـ تيسير التفسيرج 13 ص 34/ ج 16 ص 312.

(3) ـ م. ن. ج 8 ص 64.

(4) ـ انظر أعوشت: م. س. صص 57 ـ 62.

(5) ـ تيسير التفسير ج 12 ص 5.

(6) ـ أعوشت: م. س. ص 90.

٣٧٢ / ٦١٩