كتاب الملتقى الدولي الثاني للعلامة امحمد بن يوسف اطفيش كمال بابكر

34 الخطاب الإباضي الثائر على الهيمنة الاستعمارية الفرنسية

الجزء ١ · صفحة ٢٧٨

الخطاب الإباضي الثائر على الهيمنة الاستعمارية الفرنسية

وتأسيس الهوية الوطنية الجزائرية

المصلح محمد بن يوسف اطفيش أنموذجا

(1332 - 1236/ 1914 - 1821)

د/عبد الحكيم أورغي

جامعة فرانكفورت - ألمانيا

تمهيد(1):

إن الحركات الإصلاحية الإسلامية التي انتشرت في العالم الإسلامي -ابتداء من النصف الثاني من القرن التاسع عشر والقرن العشرين- لا يمكن فهم أسس خطابها التجديدي، وبنيتها وحركيتها المعرفية، إلا من خلال تحليل الأوضاع الدينية، والاجتماعية والسياسية التي كانت سائدة إبان تلك الحقبة التاريخية، فالحركات التجديدية - في تاريخ الفكر الإسلامي - تأسست بوصفها خطابا معرفيا بديلا للمتعارف عليه في اللحظة الزمنية التي يكون فيها التصور الديني للمجتمعات غير مساير لروح العصر، ويكون أحيانا لتلك الأزمات السياسية والاجتماعية دور فعال لا يستهان به في التسريع بظهور هذا النهج التجديدي، ورسم ملامح جهود المصلحين، الهادفة إلى إرجاع الدّين إلى نبعه الصّافي الموجود في مراجعه القانونية الرئيسية؛ القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة، كما يمكن اعتبار السبب الرئيسي لظهور الخطاب التجديدي هو تلك الأزمات الفكرية التي يعيشها أي مجتمع لَمّا يواجه تجربة اصطدام نموذجين لحضارتين مختلفتين، تريد الواحدة أن تفرض نفسها على الأخرى، خاصة إن كانت إحداهما تتسم بالتطور الفكري والعملي على المستويات كلها، والأخرى تعيش لحظات البحث عن مخرج وجودي من الجمود الفكري والتخلف الثقافي الذي تعاني منه.

لقد كان الوضع الديني والاجتماعي والسياسي في الجزائر في تلك المرحلة التاريخية سالفة الذكر لا يختلف كثيرا عن مثله في باقي دول العالم الإسلامي، فاستعمار الجزائر سنة

(1) أقدم جزيل الشكر إلى زميليّ: الدكتور عمر النبهاني والباحث أبونصر شخار اللذين تحملا عبء تصحيح هذا المقال لغة وإثرائه بآرائهما.

٥٦٨ / ٦١٩