كتاب الملتقى الدولي الثاني للعلامة امحمد بن يوسف اطفيش كمال بابكر

23 الذات والآخر في تيسير التفسير

الجزء ١ · صفحة ٣٨

الذات والآخر في "تيسير التفسير" للشيخ اطفيش

د/فتحي بوعجيلة

باحث في الحضارة العربيّة

تونس

مقدمة

لمْ تخْلُ مدوّنة تفسير القرآن الكريم من تأثيرات الدّعاية المذهبيّة والمساجلة الفرَقيّة، ولمْ يَشغل الواقعُ العربيّ الإسلاميّ الجديد جمهرةَ المفسّرين المحْدَثين عن التشبّث بمنهج القدامى في اعتماد الوحْي حجّة في الإثبات والدحْض من خلال التأويل والتوجيه.

كما لمْ يُخرِج تغيّرُ الأزمنة والأمكنة والأحوال، وتداعي المشاكل بأنواعها محلّيا وإقليميّا ودوليّا بعضَ مشايخ الدّين والفرَق في القرنين التّاسع عشر والعشرين من فلك المفاخرة وإطراء الذات، وتضليل الآخر، والتضئيل من قيمته، ممّا يُعَدّ من مظاهر احتكار الحقيقة والصواب.

ومن الجدير بالذكر أنّ كثيرًا من المفسرين المعاصرين، لئن حافظوا على السّنّة التقليدية في تفسير القرآن إلى درجة أنهم يفارقون المكان والزمان، فإنهم أوْدعوا في تفاسيرهِم دلائل تهدي إلى لحظتهم الراهنة، وواقعِهم المعيش، ومواقفهم من الأحداث والمستجدّات، حيث يتقاطع التفسير بالتأريخ، والتشخيص، التفكيك، والتحليل.

ومثلما برز في كتاب "تيسير التفسير" للعلامة امحمد بن يوسف اطفيش (ت1333ه/1914)، المنزعُ المذهبيّ، حفاظًا على عادة تفسيريّة عتيقة، وهي البحث عن شواهد نصّية للقضايا العقديّة والأحكام الفقهيّة، فإنّ اللافت أيضًا أنّ المصنّف قدّم رؤية تاريخيّة نقديّة، عكست وضعًا فكريًّا واجتماعيًّا وسياسيًّا عرفه المسلمون عبر تاريخهم، وعاشه الجزائريّون والمغاربة وبعض المشارقة في الحقبة الاستعماريّة وما سبقها من عصور الضّعف والانحطاط.

ولمْ يُعدم اطفيش وَعْيًا بخصوصيّة الراهن من خلال إشاراته وتصريحاته بفداحة معضلة

٣٦٧ / ٦١٩