كتاب الملتقى الدولي الثاني للعلامة امحمد بن يوسف اطفيش كمال بابكر

تآليفه:

الجزء ١ · صفحة ١

امحمد بن يوسف اطفيش الجزائري، "قطب الأيمة""

إسهاماته المعرفية وامتداداته في الجزائر والعالم

ترجمة موجزة للعالِم العامِل:

امحمد بن يوسف اطفيش، الشهير بـ "قطب الأيمة"

1243 - 1332ه/ 1827 - 1914م

مولده ونسبه: هو الشيخ امحمد بن يوسف بن عيسى بن صالح اطفيش، المشهور بلقب "قطب الأيمة"، من عشيرة آل بامحمد، ببلدة بني يسجن. وأمُّه السيدة مامّه ستي بنت الحاج سعيد بن حمُّو بن عدُّون، من عشيرة آل يدَّر ببني يسجن كذلك.

ولد سنة 1243هـ/ 1827م، ببلدة غرداية. وعاش يتيم الأب تحت كفالة أمِّه وإخوته، الذين كان لهم فضل تنشئته وتكوينه.

نشأته العلمية: ينحدر القطب من عائلة شهيرة بالعلماء والأعلام العاملين، كانت له مبعث الاقتداء ومصدر الاعتزاز، وقد بدأ حياته العلمية في كتاتيب حفظ القرآن الكريم؛ فأتم ختمه وحفظه وهو ابن ثمان سنوات، وفتح له مجال العلم، فسارع إلى دُور بعض أهل العلم وحلق الدروس بالمسجد؛ فأخذ مبادئ العلوم ممَّن حوله من المشايخ وحوى ما عندهم.

بزغت شخصيتُه العلميَّة في مرحلة عمرية مُبكِّرة؛ يحذوها العزم ويؤازرها الذكاء الحاد والذَّاكرة الوقَّادة، وقد نشأ عصاميا، ولم يسافر للدراسة في المراكز العلمية خارج وطنه، بل وسّع آفاقه العلمية بكثرة المطالعة واقتناء الكتب؛ فكوّن لديه مكتبة غنية زاخرة.

وما كاد يبلغ السادسة عشر حتى وضع أولى لبنات مؤلفاته، وجلس للتدريس والتعليم؛ إذ انتزع أهلية التأليف والتدريس بتزكية من مشايخه ودفعٍ منهم، وفي العشرينات من عمره أصبح عالم واد مزاب؛ ليبلغ درجة الاجتهاد المطلق في كهولته، كما يذكر ذلك بنفسه في كتابه "شامل الأصل والفرع"، وقد قاربت مؤلفاته الثلاثين تأليفا، وهو لم يتجاوز الثلاثين سنة.

نشاطه العلمي والاجتماعي والسياسي: ندب الشيخ نفسه لخدمة مجتمعه؛ فانخرط في هيئاته وقام بحركة إصلاحية طيبة الأثر، واستنهض أمَّته لتغيير أوضاعها، واتَّخذ التدريس والوعظ والإرشاد والتأليف وسيلة لتحقيق ذلك؛ إذ فتح لهذا داره، واتخذها معهدا يؤم إليه طلبة المنطقة وغيرها من الأقطار. واهتم بالقضاء وبشؤون الناس الاجتماعية، وكان طموحا إلى التحرُّر من الاستعمار، واسترجاع الأمة لسيادتها، كما يقول:

لولا ثلاث هنَّ: تعليم جاهل ............. وخدمة ربي والجهاد لذي الكفر

لما كنت أخشى الموتَ والموتُ لازم ............. وإلا فما الحياة والمرء في قهر

كان القطب معتزا بإسلامه، غيورا على دينه، حريصا على وحدة المسلمين، يعتصره الألم لما آل إليه أمرُهم من فُرقة وهوان وذلٍّ الاستعمار، وكان يرى أن هذا الوضع نتاج الضُّعف الداخلي للأمة الإسلامية، والمخرج هو العلم، والعمل الجاد والجهاد. لم يتمكن الشيخ من حمل السلاح؛ فانتهج سبيل تهيئة الأرضية برجال يؤمنون بوجوب الكفاح في هذا السبيل، وآزر المقاومين للمستعمر الكافر، ودعا لنصرتهم في كل البلاد الإسلامية، وأيَّد الخلافة العثمانية، كونها تمثل الدولة الإسلامية آنذاك.

هكذا كان فكر القطب ومنهجه؛ متحرّرا واسع الآفاق، لم يقتصر على مذهب، ولم ينحسر في بقعة؛ فكانت علاقاته مع العلماء وطلبة العلم ومع عامة النَّاس والسياسيين والمسؤولين والسلاطين … ، من مختلف الجهات؛ من الشمال الجزائري وجنوبه، ومن تونس وجربة ونفوسة ومصر والحجاز وعمان وزنجبار وتركيا وفرنسا … ؛ تواصل معهم في إطار الاستفتاء والاستشارات العلمية والاجتماعية، وتبادل الكتب والمعارف، والقضايا السياسية والإسلامية وغيرها.

تآليفه: بورك للقطب في عمره وبورك له في أعماله؛ فعاش إلى آخر أيام حياته -فيما يناهز التسعين سنة- مُؤلِّفا مُدوِّنا؛ فترك ما يربو عن المائة والخمسين مؤلَّفا، وكان موسوعياً مطَّلعا على مختلف فنون العلم: التفسير وعلوم القرآن، الحديث الشريف وعلومه، الأصول والمنطق، الفقه، العلوم اللغوية، الطبيعية … فمِن مؤلّفاته:

قد فسّر القرآن الكريم في ثلاثة أعمال مختلفة؛ ختمها بكتابه "تيسير التفسير"، ومن كُتبه "جامع الشمل في أحاديث خاتم الرسل"، "شرح عقيدة التوحيد"، "شرح شرح مختصر العدل والانصاف"، "الذهب الخالص المنوه بالعلم القالص"، "شرح كتاب النيل وشفاء العليل" موسوعة فقهية جامعة لآراء المذاهب الإسلامية، "مطلع الملك في فن الفَلَك"، "تحفة الحِب في أصل الطب"، إيضاح الدليل إلى علم الخليل" في العروض، "إيضاح المنطق في بلاد المشرق"، "ربيع البديع" في البلاغة، "الكافي" في التصريف، "مختصر في عمارة الأرض" …

أغنى القطب المكتبة الإسلامية كمّاً ونوعاً، وترك للأمَّة الإسلامية من تلامذته أعلاماً أثْرَوها وأثّروا فيها؛ منهم العالم المحقِّق، والصحفي المناضل، والثائر الباسل، والمصلح المتفاني … ، فكان -حقا- منارة تشعُّ من أعماق الصحراء، وقطبا يُستدلُّ به في شتى السبُل، وما تزال أعماله تشهد له بذلك لدى القاصي والداني؛ فحصد شهادات التقدير ووضعت له النياشين .. توفي القطب ببلدته يسجن سنة 1332هـ/ 1914م فرحمه الله تعالى رحمة واسعة، وتقبله عنده في الخالدين.

٦١٨ / ٦١٩