كتاب الملتقى الدولي الثاني للعلامة امحمد بن يوسف اطفيش كمال بابكر

27 النظر إلى المآل عند الشيخ دراسة في بعض العقود

الجزء ١ · صفحة ١٤٣

الشارع، وهذا غير صحيح، لأنّه قد تقرر أنّ التكاليف إنمّا وُضعت من أجل مصالح العباد، ولا يُتصور وجود مصلحة مع إمكان وقوع مفسدة مساوية للمصلحة أو راجحة عليها. ولم يبق إلا اعتبار المآلات في الأفعال والتصرفات.(1)

ثالثا- الدليل الثالث:

يستند الشاطبي في هذا الدليل على الاستقراء الذي طالما استعمله في التدليل على قواعد المقاصد. ومن استقرأ أحكام الشريعة وتتبع أدلتها المختلفة وجد أنّ الشارع اعتبر النظر إلى المآل(2) إجمالا وتفصيلا.

فاستقراء أدلة الشريعة وأحكامها ترشد إلى اعتبار المآل من طريقتين:

الأول: ويسمِّيه الشاطبي (اعتبار المآل على الجملة) وهي أدلة ترشد إلى اعتبار المآل بأدلة عامة، كالإخبار عن عاقبة الفعل وما ينتج عنه من مآلات.(3)

الثاني: أدلة ترشد إلى اعتبار المآل بشكل خاص يستفاد من طريق الموازنة والترجيح بين مصالح أصل الفعل ومفاسد المآل، أو مفاسد أصل الفعل ومصالح المآل.

فأمّا أدلة اعتبار المآل على الجملة وذلك مثل:

1) قوله تعالى: ﴿يَآ أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الذِي خَلَقَكُمْ وَالذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: 21]، وقوله تعالى: ﴿يَآ أَيُّهَا الذِينَ ءَامَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: 183]، فالآيتان السابقتان تشيران إلى اعتبار المآل على الجملة وذلك بربط الشارع بين الأحكام ونتائجها العملية المقصودة وهي حصول التقوى.

2) قوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي اْلقِصَاصِ حَيَاةٌ يَآ أُوْلِي الاَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: 179]، فالآية تبيِّن مآل وثمرة تطبيق الأحكام في القصاص، متمثِّلة في حفظ النفوس وصيانتها من الاعتداء، وفي ذلك حياة وأمن للمجتمع.

3) وقوله تعالى: ﴿وَلاَ تَاكُلُواْ أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُواْ بِهَآ إِلَى الْحُكَّامِ لِتَاكُلُواْ فَرِيقًا مِّنَ اَمْوَالِ النَّاسِ بِالاِثْمِ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 188]، فالآية حرّمت على المسلمين أكل أموال بعضهم بالباطل، عن طريق دفع الرشاوى إلى الحكّام لأنّها وسيلة إلى مآل محظور.

(1) - الشاطبي: المرجع السابق،4/ 196.

(2) - الشاطبي: الموافقات،4/ 196.

(3) - الشاطبي: المرجع السابق،4/ 197.

٤٤٦ / ٦١٩