كتاب الملتقى الدولي الثاني للعلامة امحمد بن يوسف اطفيش كمال بابكر

32 جهود الشيخ اطفيش في النهضة العلمية والاجتماعية بالجزائر

الجزء ١ · صفحة ٢٤٦

دنياهم وعدم الطموح إلى ما هو أحسن فيها، وعدم التفكير والتخطيط للمستقبل والإعداد له(1).

كما حفت بعض العبادات من صلوات وصيام بأعراف وتقاليد، تحولت في نظر الناس إلى فرائض وواجبات لا يمكن التساهل في أدائها.

لقد كان انتقاد القطب في شبابه للمشايخ الذين وجدهم على هرم المجتمع وفي صدارته شديدا ونابعا من قناعته بضرورة تغيير هذا الواقع، فلامهم على سكوتهم وعدم تمكنهم من الإصلاح وتماطلهم في ذلك، فحكم عليهم بالضعف في القيادة.

هذا ما جعلهم يبادلونه العداء ويعاكسونه التوجه والأفكار، فاعتبروه ثائرا خارجا عن الأعراف، فما كان منهم إلا أن ألبوا العامة الجهلة عليه، واصفين إياه بالابتداع والخروج عن أعراف المجتمع وتقاليده العريقة، وصوروه لديهم بالخطر المحدق على الدين الذي يجب إزالته وإخماد صوته بأي حال من الأحوال حتى لا تتسع مفاسده وتنتشر أفكاره وتستفحل أضراره.

خاض معارك طاحنة مع هذا التيار وجنده، دارت فصولها حول سفاسف الأمور في مجال العبادات والمعاملات، وبجدال عقيم فارغ غير مؤسس، شغل الكثير من وقته، وأهدر الكثير من جهده، وأعيى قواه العقلية والجسدية، وخلف آثارا شديدة في أعماق نفسه.

تسببت هذه المواجهات في محاولة اغتياله، ثم التمكن من نفيه خارج بلدته بني يزقن؛ منهزما محصورا حزينا على ما آل إليه وضعه وحالته، فما كان منه إلا أن يتجه إلى البلدة المجاورة بنورة طالبا اللجوء إليها والإقامة بها(2).

يبدو أن هذه التجربة التي خاضها في مجال الإصلاح الاجتماعي في هذه السن المبكرة وما آل إليه وضعه؛ جعلته يعود لنفسه يخلو بها لتقييم مسيرته، ومراجعه منهجه، وضبط أهدافه، وترتيب أولوياته. ويبدو أنه استشعر من نفسه أنه قد استعجل الأمر وقد استبق الأحداث وقد أغلظ القول وأخشن الفعل مع عزابة بلدته وأعيانها، وأنه أخفق في كسب قلوبهم ونيل مودتهم، ولم يجد لعبة شد الحبل معهم.

(1) : دبوز: نهضة الجزائر الحديثة، ج1، ص333 - 239

(2) : جهلان: الفكر السياسي، ص 105.

٥٦٢ / ٦١٩