34 الخطاب الإباضي الثائر على الهيمنة الاستعمارية الفرنسية
الجزء ١ · صفحة ٢٨٤الآخر أنه يمكن بهذا الرأي التعرف على كيفية تعامل المسلمين مع إشكالية الاستعمار، كما أن هذه النصيحة يمكن اعتبارها إنذارا للمسلمين ومحاولة لتوعيتهم بوضعهم المزري. يقول اطفيش في تفسيره لسورة الأنفال الآية 46: «والنزاع الآن فشا في أهل التوحيد، فملكهم أهل الشرك، ولو رجعوا إلى مذهبنا في الأصول، وغضُّوا عن مسائل الخلاف كأن لم تكن، وكانوا يدًا واحدةً لغلبوا على أهل الشرك، وأهل الشرك الآن مشتغلون بالاحتيال فيما يملكون به غيرهم، وأهل التوحيد بعضهم معين لهؤلاء، وبعضهم بطال معرض، وبعضهم يعبد الله عز وجل ولا يشتغل بالدعاء عليهم، وبعضهم مكبٌّ على التأليف، ولا يحسن إلا ما كان على طريقة تأليف الشيخ عبده والشيخ مصطفى بن اسماعيل والشيخ قاسم بن سعيد، ولذلك قلت أن أكبُّ على التأليف، إذ لم نجد لنا بنا غازيا يوما ولا من بهم نغزوا.»(1).
نلاحظ أولا أن اطفيش كان ملمّا لما يحدث سياسيا في العالم الإسلامي ومهتما به، وله اطلاع واسع على الحركات التجديدية في ليبيا ومصر مثلا، والتي جعلت من التأليف نهجا فكريا وعمليا لمحاربة الاستعمار وسياسته الاستيطانية، كما أنه كان متتبعا لأفكارهم الإصلاحية، هذا ما جعله كذلك ينهج منهجهم في التأليف الهادف؛ لخلق الوعي بالهوية الوطنية والثقافية من أجل مواجهة الاستعمار، كما أن القارئ يلمس في شخصيته الفكرية عالم الدين الواعي، الذي يحاول القيام بتحليل علمي لسبب سيطرة المستعمر على الأمة الإسلامية، وسلبه إياهم حق السيادة على أوطانهم، فقد كان قطب الأيمة واعيا بأمر واقع المسلمين، الذين جعلوا من الاختلاف نزاعا فيما بينهم؛ وهذا ما أدى إلى ضعفهم، وبالتالي إلى هيمنة المستعمر عليهم.
وللأسف لا يقدم اطفيش للقارئ شرحا وافيا لتك الوضعية، والأسباب التي أدت إلى الاختلاف والصراع فيما بين أهل التوحيد، لكنه يشير إلى إشكالية الخلاف والنزاع فيما بينهم كسبب داخلي وجوهري لظاهرة الاستعمار وقابليتهم للاستعمار، كما يشير إلى أن بعض أهل التوحيد يقفون إلى جانب المستعمر، وهذا من خيانة المسلمين لبعضهم البعض.
(1) اطفيش: تيسير التفسير، ج5، ص339 - 340.