كتاب الملتقى الدولي الثاني للعلامة امحمد بن يوسف اطفيش كمال بابكر

34 الخطاب الإباضي الثائر على الهيمنة الاستعمارية الفرنسية

الجزء ١ · صفحة ٢٨٦

الأيمة كان يعرف جيدا أنه لا إمكانية للتحرر من هيمنة الاستعمار دون نشر أسُس الوعي السّياسي، إذ إنه الطريق الأول والجوهري المؤدي إلى التخلص من المستعمر أينما كان.

2. وصف المستعمر بأهل الشرك والدعوة لجهادهم:

إن الوضع الاستعماري الذي عاصره اطفيش بوصفه مصلحا دينيا رسّخ في شخصيته الإنسان المسلم الغيور على دينه ووطنه، حيث لم تكن تهمّه مصلحة أخرى سوى تحقيق مصلحة أهل التوحيد، والسعي إلى توحيد صفوف المسلمين، تلك المصلحة العليا هي التي خلقت عنده الرغبة الخالصة من أجل تحفيز المسلمين -داخل الجزائر وخارجها- على القيام بتحرير أنفسهم من سطوة المستعمر المستبد. فنزعته الوطنية النِّضالية الهادفة إلى تأسيس خطاب الوعي الديني والسياسي عند المسلمين جعلته يقدم للقارئ تعريفا جديدا لهذا الآخر المستعمِر، الذي كان نتيجته سياسة التغريب، واستغلال خيرات البلاد والعباد في وطن القطب، فرغم أنه يعرف أن اليهود والمسيحيين هم من أهل الكتاب، لكن الملاحظ أنه لا يتردد في اعتبار الفرنسيين ليسوا أهل الكتاب، وهم بالنسبة إليه أهل الشرك، وهذا ما يمكن قراءته في نقد أوضاع المسلمين في زمانه المذكور في النصيحة أعلاه، فالمستعمر الفرنسي هو من أهل الشرك؛ وينبغي محاربته ومقاومته بدون رأفة به، كما أن الفرنسيين ينبغي معاملتهم مثل معاملة اليهود، لأنهم لا يسعون إلا لنشر ديانتهم وفرضها على المسلمين من خلال الحركات التبشيرية المسيحية(1)، ويشير قطب الأيمة إلى ادعاء المستعمر الفرنسي أنه يريد إدخال الحضارة على الشعب الجزائري، لكنه في حقيقة الأمر لا يريد شيئا آخرا غير تحقيق مصلحته عن طريق السيطرة على البلاد، واستغلال خيراتها الاقتصادية، واستعباد أهلها المستعمَرين. فتلك السياسة المنتهجة من طرف مؤسسات الاستعمار هي التي جعلته لا يعتبر هؤلاء أهل الكتاب، وإنما كفارا ينبغي مقاومتهم(2)، وربما يرى البعض أن هذا الموقف الثوري من الآخر هو نموذج لعدم التسامح، ومظهر لتطرف أفكار اطفيش، إلا أن شرعية هذا الموقف يستمدها القطب من السياسة المطبقة قصدا من طرف السلطات الفرنسية تجاه أهالي الجزائر، والمتمثلة في السعي إلى إلغاء رموز الانتماء إلى الثقافة الإسلامية، ومحاولة

(1) اطفيش: هميان الزاد إلى دار المعاد، ج 5، ص 546.

(2) محمد عكي علواني: محمد بن يوسف اطفيش ومنهجيته في تفسيره التيسير، الجزائر 1990 - 1991، ص65. انظر كذلك اطفيش: رسالة إن لم تعرف الإباضية يا عقبي، ص112.

٥٧٦ / ٦١٩