الكامل في اللغة والأدب محمد بن يزيد المبرد

النجباء من أولاد السراري

الجزء ١ · صفحة ١٤٠

قال أبو العباس: قال السليك ابن السّكة وهي أمه، وكانت سوداء حبشيّةً وكان من غربان العرب، وهو السّليك بن عميرٍ السّعديّ:

ألا عتبت عليّ فصار متني … وأعجبها ذوو اللّمم الطّوال

فإنّي يا ابنة القوام أربي … على فعل الوضيّ من الرّجال

فلا تصلي بصعلوك نؤوم … إذا أمسى يعدّ من العيال

ولكن كلّ صعلوكٍ ضروب … بنصل السّيف هامات الرّجال

أشاب الرأس أنّي كلّ يوم … أرى لي خالةً وسط الرّحال

يشقّ عليّ أن يلقين ضيماً … ويعجز عن تخلّصهن مالي

قوله: وأعجبها ذوو اللّمم الطّوال، يعني : الجمم، وإن شئت قلت: الجمام، يقال جمّةٌ وجممٌ، كقولك ظلمةٌ وظلمٌ، ويقال جمامٌ كقولك: جفرةٌ وجفارٌ وبرمةٌ وبرامٌ.

قال الشاعر:

إما تري لمّتي أودي الزمان بها … وشيّب الدهر أصداغي وأفوادي

وقوله: على فعل الوضيّ من الرجال، يريد: الجميل، وهو فعيلٌ من وضؤ يوضؤ يافتى، تقديره كرم يكرم، وهو كريم، ومصدره الوضاءة وكذلك قبح يقبح قباحةً، وسمج يسمج سماجةً، ويقال: ما كنت وضيئا، ولقد وضؤت بعدنا. وقوله: فلا تصلي بصعلوكٍ، يقول: لاتتّصلي به، كما قال ابن أحمر:

ولا تصلي بمطروقٍ إذا ما … سرى في القوم أصبح مستكيناً

وإذا شرب المرضّة قال أوكي … على ما في سقائك قد روينا

فالصعلوك: الذي لا مال له، قال الشاعر:

كأن الفتى لم يعر يوماً إذا اكتسى … ولم يك صعلوكاً إذا ما تموّلا

وقوله:نؤوم يصفه بالبلادة والكسل، وكانت العرب تمدح بخفّة الرؤوس عن النوم، وتذمّ النّومة، كما قال عبد الملك لمؤدب ولده: علّمهم العوم، وخذهم بقلّة النوم. وإنما توجّع لخالاته لأنهن كنّ إماء.

؟؟؟النجباء من أولاد السراري

ويروى عن رجل من قريش لم يسمّ لنا قال: كنت أجالس سعيد بن المسيّب، فقال لي يوماً: من أخوالك؟ فقلت: أمي فتاةٌ، فكأنّي نقصت في عينه، فأمهلت حتى دخل عليه سالم بن عبد الله بن عمر الخطّاب رضي الله عنه، فلما خرج من عنده قلت: ياعمّ! من هذا؟ فقال:يا سبحان الله!أتجهل مثل هذا من قومك! هذا سالم بن عبد الله بن عمر، قلت: فمن أمّه؟ قال: فتاةٌ، قال : ثم أتاه لقاسم بن محمد بن أبي بكر الصّدّيق رضي الله عنده، فجلس عنده ثم نهض، فقلت: ياعمّ من هذا؟ فقال: أتجهل من أهلك مثله! ما أعجب هذا! هذا القاسم بن محمد بن أبي بكر الصّديق، قلت: فمن أمه؟ قال: فتاةٌ، فأمهلت شيئاً حتى جاءه عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه، فسلّم عليه ثم نهض، فقلت: ياعمّ، من هذا؟ قال: هذا الذي لا يسع مسلماً أن يجهله! هذا عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب، قلت: فمن أمه؟ قال: فتاةٌ، قال، قلت يا عم! رأيتني نقصت في عينك لمّا علمت أني لأم ولد، أفما لي في هؤلاء إسوةٌ! قال: فجللت في عينه جداً. وكانت أمّ عليّ بن الحسين سلافة من ولد يزدجرد، معروفة النّسب، وكانت من خيرات النّساء.ويروى أنه قيل لعليّ بن الحسين رضي الله عنه:إنّك من أبرّ الناس، ولست تأكل مع أمك في صفحة؟ فقال: أكره أن تسبق يدي إلى ما قد سبقت عينها فأكون قد عققتها. وكان يقال له: ابن الخيرتين لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لله من عباده خيرتان، فخيرته من العرب قريشٌ، ومن العجم فارس " . وكانت سلافة عمّة أمّ يزيد النّاقص أو أختها. وقال رجلٌ من ولد الحكم بن أبي العاصي ، يقال له عبيد الله بن الحر وكان شاعرا متقدّماً، وكان لأمّ ولدٍ، وهو من ولد مروان بن الحكم:

فإن تك أمّي من نساءٍ أفاءها … جياد القنا والمرهفات الصّفائح

فتباً لفضل الحرً إن لم أنل به … كرائم أولاد النّساء الصّرائح

وإنما أخذ هذا من قول عنترة:

وأنا امرؤ منم خير منصباُ … شطري وأحمي سائري بالمنصل

وأنشد لبلال بن جرير وبلغه ان موسى بن جرير كان إذا ذكره نسبة إلى أمه، لأنه ابن أمّولد، فيقول: ابن أمّ حكيمٍ فقال بلال:

يا ربّ خالٍ لي أغرّ أبلجا … من آل كسرى يغتدي متوّجاً

ليس خالٍ لك يدعى عشنجاً

١٤٠ / ٣٣٦