الكامل في اللغة والأدب محمد بن يزيد المبرد

أي المناديل أفضل

الجزء ١ · صفحة ١٤٧

ومثل هذا كثير، وعلى مثل هذا القول الثاني تقول: " يا تيم تيم عدي " لأنك أردت: " يا تيم عدي " ، وأقحمت الأول توكيدً، وكذلك: لا أبا لك، لأن الألف لا تثبت في الأب في النصب إلا في الإضافة، أولا بدلاً من التنوين، فإنما أراد لا أباك ثم اقحم اللام توكيداً للإضافة، وأنشد المازني:

وقد مات شماخ ومات مزرد … وأي كريم لا أباك يخلدُ!

وقال آخر:

أبا لموت الذي لا بد أني … ملاقٍ لا أباك تخوفيني!

وقوله: " على صراط " فالصراط: المنهاج الواضح، وكذلك قالت العلماء في قول الله عزّ وجل: (اهدِنا الصِراطَ المستقيمَ) الفاتحة 6 وقوله: " سما بكَ خالدٌ " يريد خالد بن الوليد بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم بن يقظة بن مُرة بن كعب، لأن أم هشام بنتُ هشام بن إسماعيل ابن هشام بن المغيرة، بن عبد الله بن عمر بن مخزوم. وكان هشام بن المغيرة أجل قرشي حالماً وجوداً، وكانت قريش تؤرخ بموته، كما كانت تؤرخ بعام الفيل، وبملكِ فلانٍ، قال الشاعر:

زمان تناعى الناس موت هشام

ومن أجل يقول القائل:

فأصبح بطن مكة مقشعراً … كأنَّ الأرض ليس بها هشامُ

يقول: هو وإن كان مات فهو مدفون في الأرض، فقد كان يحب من أجله ألا ينالها جدب، وقال الآخر:

ذريني أصطبح يا سلم إني … رأيت الموت نقب عن هشام

وقوله: " نقب " أي طوف حتى أصاب هشاماً، قال الله عزّ وجل: (فنقبوا في البلد) ق36، أي طوفوا، ومثله قول امرئ القيس "

وقد نقبت في الآفاق حتى … رضيت من الغنيمة بالإياب

عمر أول من أرخ في الإسلام

فأما التاريخ الذي يؤرخ به اليوم فأول من فعله في الإسلام عمر بن الخطاب رحمه الله. حيث دون الدواوين، فقيل له: لو أرخت يا أمير المؤمنين لكنت تعرف الأمور في أوقاتها؟ فقال: وما التأريخ؟ فأعلم ما كانت العجم تفعله، فقال: أرخوا؛ فقالوا: مذ أي سنة؟ فاجتمعوا على سنة الهجرة، لأنه الوقت الذي حكم فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم على غير تقيةٍ ثم قالوا: في أي شهرٍ؟ فقالوا: نستقبل بالناس أمورهم في شهر المحرم إذا انقضى حجهم، وكانت هجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم في شهر بيع الآخر فقدم التأريخ على الهجرة هذه الأشهر.

وجاء في تصحيح هذا الوقت - أعني المحرم - ما روي لنا عن ابن عباسٍ رحمه الله، فنه قال في قول الله عزّ وجل: (والفجر، وليالٍ عشرِ) الفجر: 1،2، فأقسم بفجر السنة، وهو المحرم.

وقوله:

فما الأم التي ولدت قريشاً

يعني برة بنت مرٍّ، كانت أمَّ النضر بن كنانة، وهو أبو قريش، ومن لم يكن من ولده فليس بقرشي، وتميم بن مرٍّ خاله.

وكان يقال: من عرف حق أخيه دام له إخاؤه، ومن تكبر على الناس ورجا أن يكون له صديق فقد غر نفسه.

وقيل: ليس للجوج تدبير، ولا لسييء الخلق عيش، ولا لمتكبر صديق.

وقيل: من بسط بالخير لسانه انبسطت في القلوب محبته، والمنة تفسدُ الصنيعة.

في مدح أبي البختري

ويروى أن شاعراً أتى أبا البختري وهب بن وهبٍ،وكان من أجود الناس، وكان إذا سمع مدح المادح ضحك وسرى السرور في جوانحه، وأعطى وزاد، فأتاه هذا الشاعر فأنشده:

لكل أخي فضل نصيب من العلا … ورأس العلا طرا عقيد الندى وهبُ

وما ضر وهباً قول من غمط العلا … كما لا يضر البدر ينبحه الكلب

فثنى ل الوسادة، وهش إليه ورفده، وحمله وأضافه، فلما أن أراد الرجل الرحلة لم يخدمه أحد من غلمان أبي البختري، ولا عقد له ولا حل معه. فأنكر ذلك من جميل ما فعل به، وأنه قد تجاوز به أمله، فعاتب بعضهم، فقال له الغلام: إنا إنما نعين النازل على الإقامة، ولا نعين الراحل على الفراق. فبلغ هذا الكلام جليلاً من القرشيين، فقال: والله لفعل هؤلاء العبيد على هذا القصد أحسن من رفد سيدهم.

باب

سؤال عبد الملك لحسان

أي المناديل أفضل؟

قال عبد الملك بن مروان لجلسائه - وكان يجتنب غير الأدباء - : أي المناديل أفضل؟ فقال قائل منهم: مناديل مصر كأنها غرقىء البيض. وقال آخر: مناديل اليمن كأنها أنوار الربيع. فقال عبد الملك: ما صنعتما شيئاً، أفضل المناديل ما قال أخو تميم - يعني عبدة بن الطبيب.

١٤٧ / ٣٣٦