الكامل في اللغة والأدب محمد بن يزيد المبرد

لجرير يمدح هشام بن عبد الملك

الجزء ١ · صفحة ١٤٦

فالذي يفتخر به عبد الله يرى للناس عليه حقاً، فالمفتخر به أجدر وقد قيل لعليّ بن الحسين وكان بين الفضل رضي الله عنه: ما بالك إذا سافرت كتمت نسبك أهل الرفقة؟ فقال: أكره أن آخذ برسول الله صلى الله عليه وسلم وما لا أعطي مثله. وإنما يعتري هذا الباب من الظلم وقلّة الإنصاف والبعد من الرّقّة عليهم الجهلة من أهل هذا النسب، والله جلّ ذكره يقول لنبيّه صلى الله عليه وسلم: " بالمؤمنين رؤوفٌ رحيمٌ " التوبة:128، وقال تعالى: " إنّي أخاف إنّ عصيت ربّي عذاب يومٍ عظيمٍ " الأنعام:15، فإذا كان هو صلى الله عليه وسلم يخاف من المعصية فكيف يأمنها غيره به!

لجرير يمدح هشام بن عبد الملك

وأما قول جريرٍ لهشام بن عبد الملك فهو المدح الصحيح على خلاف هذا المعنى، قال:

وأنت إذا نظرت إلى هشام … عرفت نجار منتخب كريم

وليّ الحقّ حين يؤم حجّا … صفوفاً بين زمزم والحطيم

يرى للمسلمين عليه حقاً … كفعل الوالد الرّؤف الرّحيم

إذا بعض السّنين تعرّقتنا … كفى الأيتام فقد أبي اليتيم

وفي هذا الشعر:

أمير المؤمنين على صراطٍ … إذا أعوجّ الموارد مستقيم

أمير المؤمنين جمعت ديناً … وحلماً فاضلا لذوي الحلوم

لك المتخيّران أبا وخالاً … فأكرم بالخؤولة والعموم

فيا ابن المطعمين إذا شتونا … ويا ابن الذّائدين عن الحريم

سما بك خالدٌ وبنو هشامٍ … إلى العلياء في الحسب الجسيم

وتنزل من أميّة حيث تلقى … شؤون الرأس مجتمع الصّميم

تواصلت من تكرّمها قريشٌ … بردّ الخيل دامية الكلوم

فما الأمّ التي ولدت قريشاً … بمقرفة النّجار ولا عقيم

وما فحلٌ بأنجب من أبيكم … ولا خالٌ بأكرم من تميم

سما أولاد برّة بنت مرّ … إلى العلياء في الحسب العظيم

لك الغرّ السّوابق من قريش … فقد عرف الأغرّ من البهيم

قوله: حين يؤم حجّاً فيمون الحجّ جمع حاجّ، كما يقال: تاجرٌ وتجرٌ، وراكبٌ وركبٌ، قال العجّاج:

بواسطٍ أكرم دارٍ دارا … والله سمّى نصرك الأنصارا

فأخرجه على ناصر ونصر، قال: ويجوز أن يكون حجّ أصحاب حجّ، كما قال الله عزّ وجل: " وسئل القرية " يوسف:82، يريد أهلها. وقوله: كفعل الوالد الرّوف الرّحيم، يقال:رؤف على فعلٍ مثل يقظ وحذر، رؤوف على وزن ضروب. وقال الأنصاري:

نطيع نبيّنا ونطيع رباً … هو الرّحمن كان بنا رؤوفا

وقد قرىء: " والله رؤوف بالعباد " البقرة:207، و رؤوف أكثر، وإنما هو من الرّأفة، وهي أشدّ الرّحمة، يقال: رآفةٌ وقرىء: " ولا تأخذكم بهما رآفة في دين الله " النور:2، على وزن الصّرامة والسّفاهة.وقوله: إذا بعض السّنين تعرّ قتنا، يفسر على وجهين: أحداهما: ان يكون ذهب إلى بعض السنين سنون، كما قال الأعشى:

وتشرق بالقول الذي قد أذعته … كما شرقت صدر القناة من الدّم

لأن صدر القناة قناةٌ، ومن كلام العرب: ذهبت بعض أصابعه، لأن بعض الأصابع إصبع، فهذا قول. و الأجود أن يكون الخبر في المعنى عن المضاف إليه، فأقتحم المضاف إليه توكيداً، لأنه غير خارج من المعنى ، وفي كتاب الله عزّ وجل: " فظلّت أعناقهم لها خاضعين " الشعراء:4، إنما المعنى: فظلّوا لها خاضعين، والخضوع بيّن في الأعناق ، فأخبر عنهم ، فأقحم العناق توكيداٌ. وكان أبو زيد الأنصاريّ يقول: أعناقهم جماعاتهم، تقول: أتاني عنقٌ من النّاس، والأول قول عامّة النحويين. وقال جرير:

لما أتَى خبرُ الزبيرِ تواضعتْ … سورُ المدينةِ والجبالُ الخشعُ

وقال أيضاَ:

رأت مرَّ السنينَ أخذن مِنِّي … كما أخذ السرارُ من الهلالِ

وقال ذو الرمة: مشينَ كما اهتزت رِماح تسفهت أعاليها مرُّ الرياح النواسم

١٤٦ / ٣٣٦