الكامل في اللغة والأدب محمد بن يزيد المبرد

حديث بنات ذي الإصبع العدواني

الجزء ١ · صفحة ١٤٨

لما نزلنا نصبنا ظل أخبية … وفار للقوم باللحم المراجيل

ورد وأشقر ما يؤنيه طابخه … ما غير الغلي منه فهو مأكول

ثمت قمنا إلى جرد مسومة … أعرافهن لأيدينا مناديل

قوله: " غرقىء البيض " يعني القشرة الرقيقة التي تركب البيضة دون قشرها الأعلى، وقشرها الأعلى يقال له: القيض.

وقوله: " المراجيل " إنما حده " المراجل " ؛ ولكن لما كانت الكسرة لازمة أشبعها للضرورة؛ كما قال:

نفي الدرام تنقاد الصياريف

وقد مر تفسير هذا.

وقوله:

ورد وأشقر ما يؤنيه طباخه

يقول: ما تغير من اللحم قبل نضجه.

وقوله: " ما يؤنيه طباخه " يقول: ما يؤخره، لأنه لو آناه لأنضجه، لأن معنى " آناه " بلغ به إناه، أي إدراكه، قال الله عز وجل: " طعامٍ غير نظرين إنهُ " الأحزاب 53، وتقول: أنى يأني إنيّ، إذا أدرك، وآن يئين مثله. وقوله عز وجل: " يطوفون بينها وبين حميم إن " الرحمن: 44 أي قد بلغ إناه.

وقوله:

ما غير الغلي منه فهو مأكول

يقول: نحن أصحاب صيد، وهذا من فعلهم.

وقوله: " مسومة " تكون على ضربين: أحدهما أن تكون معلمة، والثني أن تكون قد أسميت في المرعى، وهي ههنا معلمة، وقد مضى هذا التفسير.

وإنما أخذ ما في هذه الأبيات من بيت أمرىء القيس، فإنه جمع ما في هذه الأبيات في بيت واحدٍ، مع فضل التقدم.

نمش بأعراف الجياد أكفنا … إذا نحن قمنا عن شواء مضهب

وهو الذي لم يدرك، ونمش: نمسح، ويقال للمنديل المشوش.

وكانت العرب تألف الطيب، وتطرح ذلك في حالتين: في الحرب والصيد.

قال النابغة:

سهكين من صدإ الحديد كأنهم … تحت السنور جنة البقار

وقال آخر:

وأسيافكم مسك محل أكفكم … على أنها ريح الدماء تضوع

معنى " تضوع " تفوح.

وفاء ابنة هانيء بن قبيصة

وروي عن ابنة هانيء بن قبيصة ذكر يعقوب أنها ابنة قيس بن خالد الشيباني. ش. أنه لما قتل عنها لقيط بن زرارة بن عدس بن زيد بن عبد الله بن دارم بن مالك حنظلة، فتزوجها رجل من أهلها، فكان لا يزال يراها تذكر لقيطاً، فقال لها ذات مرة: ما استحسنت من لقيط؟ فقالت: كل أموره كانت حسنة، ولكني أحدثك أنه خرج مرة إلى الصيد وقد انتشىء، فرجع وبقميصه نضح ضمه، وشمني شم، فليتني كنت مت ثمه، قال: ففعل زوجها مثل ذلك، ثم ضمها إليه، وقال: أين أنا من لقيط؟ فقالت: ماء ولا كصدآء - مثل حمراء، ووزنها " فعلاء " ، وموضع اللام همزة، وهي بئر مقدمة، واسمها ما ذكرنا عن الأصمعي وأبي عبيدة، وكذلك سمعنا العرب تقوله، ومن ثقل فقد أخطأ ومثل ذلك: رجل ولا كمالكٍ - يعنون مالك بن نويرة، ومرعى ولا كالسعدان.

حديث بنات ذي الإصبع العدواني

وحدثني علي بن عبد الله عن ابن عائشة قال: كان ذو الإصبع العدواني رجلاً غيوراً، وكانت له بنات أربع، وكان لا يزوجهن غيرة، فاستمع عليهن يوماً،وقد خلون يتحدثن، فقالت قائلة منهن: لتقل كل واحدةٍ منكن ما في نفسها، ولنصدق جميعاً. قال: فقالت كبراهن:

ألا ليت زوجي من أناسٍ ذوي غنىً … حديث الشباب طيب النشر والذكر

لصوق بأكباد النساء كأنه … خليفة جان لا يقيم على هجر

قال: وقالت الثانية:

ألا ليته يغطي الجمال بديئة … له جفنة يشقى بها النيب والجزر

له حكمات الدهر من غير كبرةٍ … تشين فلا فانٍ ولا ضرع غمرُ

" أخذ التجارب، وهو مأخوذ من حكمة اللجام ش " فقلن لها: أنتِ تريدين سيداً. فقالت: الثالثة:

ألا هل تراها مرة وحليلها … اشم كنصل السيف عين المهند

عليماً بأدواء النساءِ ورهطهُ إذا ما انتمى من أهل بيتي ومحتدي فقلن لها: أنت تريدين ابن عم لك، فقد عرفته. وقلن للصغرى: ما تقولين؟ فقالت: لا أقول شيئاً، فقلن: لا ندعك وذاك؛ إنك اطلعت على أسرارنا وتكتمين سرك، فقالت: زوج من عود، خيرً من قعود.

١٤٨ / ٣٣٦