الكامل في اللغة والأدب محمد بن يزيد المبرد

الحجاج والمهلب بن أبي صفرة

الجزء ١ · صفحة ١٤٩

قال: فخطبن، فزوجهن جمع، ثم أمهلهن حولاً، ثم زار الكبرى، فقال لها: كيف رأيت زوجك؟ قالت: خير زوج، يكرم أهله، وينسى فضل، قال لها: فما مالكم؟ قالت: الإبل، قال: وما هي؟ قالت: نأكل لحمانها مزعاً، ونشرب ألبانها جرعاً، وتحملنا وضعفتنا معاً. فقال لها: زوج كريم، ومال عميم.

ثم زار الثانية فقال لها: كيف رأيت زوجك؟ قالت: يكرم الحليلة، ويقرب الوسيلة. قال: فما مالكم؟ قالت: البقر، قال: وما هي؟ قالت: تألف الفناء، وتملأ الإناء، وتودك السقاء، ونساءُ مع نساءٍ. قال لها: رضيت وحظيت.

ثم زار الثالثة، فقال لها: كيف رأيت زوجك؟ فقالت: لا سمح بذر، ولا بخيل حكرٌ، قال: مالكم؟ قالت: المعزى، قال: وما هي؟ قالت: لو كنا نولدها فطماً، ونسلخا أدماً، لم نبغ بها نعماً، فقال لها: جذو مغنية.

ثم زار الرابعة، فقال لها: كي رأيت زوجك؟ فقالت: شر زوج، يكرمُ نفسه، ويهين عرسه، قال لها: فما مالكم؟ قالت: شر مال؛ الضأن، قال لها: وما هن؟ قالت: جوف لا يشبعن، وهيم لا ينقعن، وصم لا يسمعن، وأمر مغويتهن يتبعن، فقال: " أشبه امرؤ بعض بزه " فأرسلها مثلاً.

قال علي بن عبد الله: قلت لابن عائشة: ما قولها: " وأمر مغويتهن يتبعن " ؟ فقال: أما تراهن يمررن فتسقط الواحدة منهن في ماء أو وحل وما أشبه ذلك فيتبعنها إليه.

قول الثانية:

له جفنة تشقى بها النيب والجزر

فالنيب: جمع ناب، وهي المسنة، وإنما قيل لها: ناب، لطول نابها؛ قال أوس بن حجر:

تشبه نابا وهي في السن بكرةٌ

وتقدير " نيب " من الفعل " فعلٌ " ،ولكن ما كان من ذوات الياء كسر له موضع الفاء من الفعل لتصح الياء، لأن الياء إذا سكنت وانضم ما قبلها كانت واواً، نحو: موقن وموسر، وإن فارقتها الضمة عادت إلى أصلها، نحو قولك: مياسير، ومثل ذلك أبيض وبيض، وإنما " بيض " " فعل " ك " أحمر وحمر " و " أصفر وصفر " ، ولكن كسرت النون لتصح الياء، ولو كانت واواً في الأصل لم تغير. نحو: " أسود وسودٍ " .

وقوله: " ناب " ، تقديرها فَعَلٌ متحركة العين، ولا تنقلب الياء ولا الواو ألفاً إلا وهماً في موضع حركة وما قبلهما مفتوح، نحو: باع وقال ورمى وغزا؛ لأن التقدير فعلَ، ولو كان على فَعْلٍ لصحت الياء والواو، كما تقول: بيع وقول، وفَعَلٌ قد يجمعونه على فُعْلٍ كقولهم: أسدٌ وأسدٌ، ووثنٌ ووثنٌ.

وقولها: " تشقى بها النيب والجزر " فإنما عطفت أحدهما على الآخر لأن من الإبل ما يكون جزوراً للنحر لا غير.

وأما قولها: " ولا ضرعٌ غمرُ " فالضرع: الضعيف، والغمر: الذي لم يجرب الأمور.

الحجاج والمهلب بن أبي صفرة

ويروى أن الحجاج لما ورد عليه ظفر المهلب بن أبي صفرة وقتله عبد ربه الصغير، وهرب قطري عنه تمثل فقال: لله در المهلب! والله لكأنه ماوصف لقيط الإيادي حيث يقول:

وقلدوا أمركم لله دركم … رجب الذراع بأمر الحرب مضطلعاً

لا مترفاً إن رخاء العيش ساعده … ولا إذا عض مكروه به خشعاً

ما زال يحلب هذا الدهر أشطره … يكون متبعاً طوراً ومتبعاً

حتى استمرت على شزر مريرته … مر العزيمة لا رثاً ولا ضرعاً

فقام إليه رجل فقال: أيها الأمير، والله لكأني أسمع هذه التمثيل من قطري في المهلب. فسر الحجاج بذلك سروراً تبين في وجهه: وقولها:

كنصل السيف عين المهند

فالمهند، المنسوب إلى الهند.

وقولها: " من أهل بيتي ومحتدي " فالمحتد: ا " لأصل، قال الشاعر:

وفي السر من قحطان أولاد حرةٍ … عظامُ اللها بيض كرام المحاتد

وقوله: " مال عميم " يقول: جامع، أخذه من عمَّ يعمُّ.

وقوله: جذو مغنية فالجذو: جمع جذوه، وهي القطعة، وأصل ذلك في الخشب ما كان منه فيه نارٌ، وقال الله عز وجل: " أو جذوةٍ من النارِ " القصص: 29 وتجمع أيضاً جذاً، قال ابن مقبل:

باتت حواطب سلمى يلتمسن لها … جزل الجذا غير خوارٍ ولا دعر

الحوار: الضعيف، والدعر:الكثير الثقب، يقال: عود دعر.

وقولها: " جوف لا يشبعن " تقول: عزاك الأجواف. و " هيم لا ينقعن " ، الهيم: العطاش، يكون الواحد من هيم أهيم، ويقال في هذا المعنى: هيمان. وقال بعض المفسرين في قول الله عز وجل: " فشربون شرب اليهم " الواقعة: 55 قال: هي الإبل العطاش، وقال ذو الرمة:

١٤٩ / ٣٣٦