الكامل في اللغة والأدب محمد بن يزيد المبرد

كثير والأخطل عند عبد الملك بن مروان

الجزء ١ · صفحة ١٥٠

فراحت الحقب لم تقصع صرائها … وقد نشحن فلا ري ولا هيم

ويقال: " قصع صارته " إذا روي، والصارة: شدة العطش، والنشوح:أن تشرب دون الري، يقال: نشح ينشح، ومثله: تغمر، إذا لم يرو. ويقال للقدح الصغير الغمر من هذا. وقال بعض المفسرين: الهيمُ: رمال بعينها، واحدتها هيماء، يا فتى.

وقولها: " لا ينقعن " أي لا يروين، يقال: ما نقعت ماشية بني فلان بري، إذا لم تبلغ من الماء حقها، ويقال للماء: النقع، ويقال: النقع، في غير هذا الموضع، للغبار، ويقال: أثاروا النقع بينهم. والنقع أيضاً: اسم موضع بعينه.

قال الشاعر:

لقد حببت نعم إلينا بوجهها … ماسكن ما بين الوتائر والنقع

والنقع: الصراخ، قال لبيد:

فمتى ينقع صراخ صادق … يحلبوه ذات جرسٍ وزجلٍ

وقولها: " وصم لا يسمعن " ، طريف من كلام العرب، وذلك أنه يقال لكل صحيح البصر ولا يعمل بصره: أعمى، وإنما يراد به أنه قد حل محل من لا يبصر البتة، إذا لم يعمل بصره، وكذلك يقال للسميع الذي لا يقبل: أصم، قال الله جلَّ ذكرهِ: " صم بكم عمىٌ " البقرة: 18 كما قال جل ثناؤه: " أم على قلوبٍ أقفالها " محمد: 24 وكذلك: " إنك لا تسمع الموتى ولا تسمع الصم الدعاء " النمل: 80 وقوله عز وجل: " كمثل الذي ينعق بما لا يسمع إلا دعاء ونداء " البقرة: 171.

وتقول العرب: " أبلدُ ما يُرعى الضأن " ، ويقال: أحمق من راعي ضأن ثمانين.

وتحدث عمرو بن بحر، قال: كان يقال: لا ينبغي لعاقل أن يشاور واحداً من خمسة: القطان، والغزال، والمعلم، ورعي ضأن، ولا الرجل الكثير المحادثة للنساء.

وقيل في مثل هذا: لا تدع أم صبيك تضربه فإنه أعقل منها وإن كان طفلاً.

وقال الأحنف بن قيس: إني لأجالس الأحمق الساعة فأتبين ذلك في عقلي.

وقال جل ثناؤه في صفة النساء: " أومن ينشؤا في الحلية وهو في الخصام غير مبين " الزخرف: 18.

نقد كثير للشعراء

وحدثت أنعمر بن عبد الله بن أبي ربيعة أتى المدينة فأقام بها، ففي ذلك يقول:

يا خليلي قد مللت ثوائي … بالمصلى وقد شنئت البقيعا

فلما أراد الشخوص شخص معه الأحوص بن محمدٍ؛فلما نزلا ودان صار إليهما نصيب، فمضى الأحوص لبعض حاجته، فرجع إلى صاحبيه، فقال: إني رأيت كثيراً بموضع كذا، فقال عمر: فابعثوا إليه ليصير إلينا، فقال الأحوص: أهو يصير إليكم؟ هو والله أعظم كبراً من ذلك؛ قال: فذا نصير إليه، فصاروا إليه، وهو جالس على جلد كبش، فوالله ما رفع منهم أحداً ولا القرشي. ثم أقبل على القرشي، فقال: يا أخا قريش، والله لقد قلت فأحسنت في كثيرٍ من شعرك، ولكن خبرني عن قولك:

قالت لها أختها تعاتبها … لا تفسدن الطواف في عمر

قومي تصدي له ليبصرنا … ثم اغمزيه يا أخت في خفر

قالت لها: قد غمزته فأبى … ثم اسبطرت تشتد في أثري

والله لو قد قلت هذا في هرة أهلك ما عدا، أردت أن تنسب بها فنسبت بنفسك، أهكذا يقال للمرأة! إنما توصف بالخفر، وأنها مطلوبة ممتنعة، هلا قلت كما قال هذا؟ وضرب بيده على كتف الأحوص:

أدور ولولا أن رى أم جعفرٍ … بابياتكم ما درت حيث أدور

وما كنت زواراً ولكن ذا الهوى … إذا لم يزر لا بعد أن سيزور

لقد منعت معروفها أم جعفر … وإني إلى معروفها لفقير

قال: فامتلأ الأحوص سروراً، ثم أقبل عليه فقال: يا أحوص، خبرني عن قولك:

فأن تصلي أصلك وإن تعودي … لهر بعد وصلك لا أبالي

أما والله لو كنت من فحول الشعراء لباليت؛ هلا قلت مثل ما قال هذا؟ وضرب بيده على جنب نصيب:

بزينب ألمم قبل أن يظعن الركبُ … وقل إن تملينا فما ملك القلبُ

قال: فانتفخ نصيب، ثم أقبل عليه فقال له: ولكن أخبرني عن قولك يا أسود:

أهيمُ بدعدٍ ما حييتُ وإن أمتْ … فواحزاني من ذا يهيم بها بعدي

كأنك اغتممت ألا يفعل بها بعدك؛ ولا يكني، فقال بعضهم لبض: قوموا فقد استوت القرفة. وهي لعبة على خطوطٍ، فاستواؤها انقضاؤها.

قال أبو الحسن: الطبن هي السدر، فإذا زيد في خطوطه سمته العرب: القرفة، وتسميه العامة السدر.

كثير والأخطل عند عبد الملك بن مروان

١٥٠ / ٣٣٦