في نقد الشعر
الجزء ١ · صفحة ١٥١قال: وحدثت أن كثيراً دخل على عبد الملك بن مروان وعنده الأخطل، فأنشده التفت عبد الملك إلى الأخطل، فقال: كيف ترى؟ فقال: حجازي مجوع مقرور، دعني أضغمه يا أمير المؤمنين، فقال كثير: من هذا يا أمير المؤمنين؟ فقال له: هذا الأخطل، فقال له كثير: مهلاً، فهلا ضغمت الذي يقول:
لا تطلبن خؤولة في تغلب … فالزنج أكرمُ منهم أخوالاً
والتغلبي إذا تنحنح للقرى … حك استه وتمثل الأمثالا
فسكت الأخطل فما أجابه بحرفٍ.
قال أبو العباس: سمعتُ من ينشدُ هذ الشعر:
والتغلبي إذا تنبح للقرى
وهو أبلغُ.
أبيات نصيب في امرأة
نزل عندها فأكرمته
قال: وخُبرت أن نصيباً نزل بامرأة تكنى أم حبيب، من أهل مللٍ، وكانت تضيف بذلك الموضع وتقري، ولا يزال الشريف قد نزل بها فأفضل عليها الفضل الكثير، ولا يزال الشريف ممن لم يحلل بها يتناولها بالبر، ليعينها على مروءتها، فنزل بها نصيب ومعه رجلان من قريش، فلما أرادوا الحرلة عنها وصلها القرشيان، وكان نصيب لا مال معه في ذلك الوقت، فقال لها: إن شئت فلك أن أوجه إليك بمثل ما أعطاك أحدهما، وإن شئت قلت فيك شعراً، فغزلت أم حبيبٍ فقالت: بل الشعر، فقال:
ألا حي قبل البين أم حبيب … وإن لم تكن مِنا غداً بقريب
وإن لم يكن أني أحبك صادقاً فما أحدٌ عندي إذاً بحبيب
تهام أصابت قلبه مللية … غريب الهوى، واهاً لكل غريب!
نصيب عند عبد الملك بن مروان
وحدثت أن نصيباً أتى عبد الملك فأنشده، فاستحسن عبد الملك شعره وسر به، فوصله، ثم دعا بالغداء فطعم معه، فقال له بعد الملك: يا نصيب، هل لك فيما يتنادم عليه؟ فقال: يا مير المؤمنين، تأملني، قال: قد أراك، فقال: يا أمير المؤمنين، جلدي أسود، وخلقي مشوه، ووجهي قبيح، ولست في منصب، وإنما بلغ بي مجالستك ومؤاكلتك عقلي وأنا أكره يا أمير المؤمنين أن أدخل عليه ما ينقص. فأعجبه كلامه فأعفاه.
الوليد بن عبد الملك والحجاج
وقال الوليد بن عبد الملك للحجاج في وفدةٍ وفدها عليه - وقد أكلا - : هل لك في الشراب؟ فقال: يا أمير المؤمنين، ليس بحرام ما أحللته، ولكني أمنع أهل عملي منه، وأكر أن أخالف قول العبد الصالح: " وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهكم عنه " هود: 88، فأعفاه.
مسلمة بن عبد الملك ونصيب
وقال مسلمة بن عبد الملك يوماً لنصيب: أمتدحت فلاناً! لرجل من أهله، فقال: قد فعلت، قال: أو حرمك؟ قال: قد فعل، قال: فهلا هجوته؟ قال: لم أفعل، قال: ولم؟ قال: لأني كنت أحق بالهجاء منه! إذ رأيته موضعاً لمدحي! فأعجب به مسلمة، فقال: اسألني، فقال: لا افعل، قال: ولِمَ؟ فقال: لأن كفك بالعطية أجود من لساني بالمسألة، فوهب له ألف دينارٍ.
في نقد الشعر
وحدثت أن الكميت بن زيدٍ أنشد نصيباً فاستمع له، فكان فيما أنشده:
وقد رأينا بها حوراً منعمة … بيضاً تكامل فيها الدالُّ والشنبُ
فثنى نصيب خنصره، فقال له الكميت: ما تصنع؟ فقال: أحصي خطأك، تباعدت في قولك: " تكمل فيها الدل والشنب " .
هلا قلت كما قال ذو الرمة:
لمياء في شفتيها حوة لعسٌ … وفي اللثاث وفي أنيابها شنبُ
ثم أنشده في أخرى:
كأن الغطامط من جريها … أراجيز أسلم تهجو غفارا
فقال له: نصيب: ما هجت أسلم غفاراً قط، فاستحيا الكميت فسكت.
قال أبو العباس: والذي عابه نصيب من قوله: " تكامل فيها الدل والشنب " .
قبيح جداً، وذلك أن الكلام لم يجر على نظم، ولا وقع إلى جانب الكلمة ما يشاكلها، وأول ما يحتاج إليه القول أن ينظم على نسق، وأن يوضع على رسم المشكلة.
وخبرت أن عمر بن لجإٍ قال لابن عم له: أنا أشعر منك، قال له، وكيف؟ قال: لأني أقول البيت وأخاه، وانت تقول البيت وابن عمه.
وأنشد عمرو بن بحر:
وشعر كبعر الكبش فرق بينه … لسانُ دعيِّ في القريض دخيل
وبعر الكبش يقع متفرقاً، فمن ذلك قول ابنة الحطيئة له، لما نزل في بني كليب بن يربوع: تركت الثروة والدد، ونزلت في بني كليب - بعر الكبش.
يقال: بعرٌ وبعرٌ، وشعرٌ وشعرٌ، وشمعٌ وشمعٌ، ويقال للصدر: قص وقصص، وكذلك نهرٌ ونهرٌ.