الكامل في اللغة والأدب محمد بن يزيد المبرد

وهشام بن عبد الملك

الجزء ١ · صفحة ١٥٣

وقيل لرجل من اشراف العجم في علته التي مات فيها: ما بك؟ قال: فكر عجبت، وحسرة طويلة، فقيل: مِمَّ ذاك؟ فقال: ما ظنكم بمن يقطع سفراً قفراً بلا زادٍ، ويسكن قبراً موحشاً بلا مؤنس، ويقدم على حكمٍ عادلٍ بلا حجةٍ! وقال بعض المحدثين، وهو محمود الوراق:

بأي اعتذار أم بأية حجةٍ … يقول الذي يدري من الأمر: لا أدري!

إذا كان وجه العذر ليس ببين … فإن اطراح العذر خير من العذرِ

واعتذر رجل إلى سلم بن قتيبة من أمرٍ بلغه عنه، فعذره، ثم قال له: يا هذا، لايحملنك الخروج من أمرٍ تخلصت منه على الدخول في أمرٍ لعلك لا تخلص منه.

وقيل لخالد بن صفوان: أي إخوانك أحب إليك؟ فقال: الذي يسد خللي، ويغفر زللي، ويقبل عللي.

من أخبار عبد الله بن جعفر

وافتقد عبد الله بن جعفر بن أبي طالب صديقاً له من مجلسه، ثم جاءه، فقال: أين كانت غيبتك؟ فقال: خرجت إلى عرض من أعراض المدينة مع صديق لي، فقال ل: ن لم تجد من صحبة الرجال بُداً فعليك بصحبة من إن صحبته زانك، ون خففت له صانك، وإن احتجت إلهي مانك، وإن رأى منك خلة سدها، أو حسنة عدها، وإن وعدك لم يجرضك، وإن كثرت عليه لم يرفضك، وإن سألته أعطاكَ، وإن أمسكت عنه ابتداكَ.

وامتدح نصيب عبد الله بن جعفر، فأمر له بخيل وإبل وأثاثٍ ودننير ودراهم، فقال له رجل: أمثل هذا الأسود يعطى مثل هذا المال؟ فقال له عب الله بن جعفر: ن كان أسود فإن شعره لأبيض، ون ثناءه لعربيٌّ، ولقد استحق بما قال أكثر مما نال، وهل أعطيناه إلا ثياباً تبلى، ومالا يفنى، ومطايا تنضى، وأعطانا مدحاً يروى، وثناءً يبقى!.

وقيل لعبد الله بن جعفر إنك لتبذل الكثير إذا سُئلت، وتضيق في القليل إذا توجرت. فقال: إني أبذل مالي، وأضنُّ بعقلي.

نبذ من أقوال الحكماء

وقيل ليزيد بن معاوية: ما الجود؟ فقال: إعطاء المال من لا تعرف، فإنه لا يصير إليه حتى يتخطى من تعرف.

وخبرت عن رجل من الأنصار قال لابن عبد الرحمن بن عوف: ما ترك لك أبوك؟ قال: ترك لي مالاً كثيراً، فقال: ألا أعلمك شيئاً هو خير لك مما ترك لك أبوك؟: نه لا مال لعاجز، ولا ضياع على جازم، والرقيقُ جمال وليس بمالٍ، فعليك من المال بما يعولك ولا تعوله.

وقال معاوية: الخفض والدعة سعةُ المنزلِ وكثرةُ الخدمِ.

وقيل لخريم المري - وهو المنبز بخريم الناعم: ما النعمة؟ فقال: الأمن، فإنه ليس لخائف عيشٌ؛ والغنى، فإنه ليس لفقير عيشٌ؛ والصحة، فإنه ليس لسقيم عيشٌ. قيل: ثم ماذا؟ قال: لا مزيد بعد هذا.

وقال سلم بن قتيبة: الشباب الصحة، والسلطان الغنى، والمروءة الصبرُ على الرجال.

وقال المهلب بن أبي صفرة: العجب لمن يشتري المماليك بماله ولا يشتري الأحرار بمعروفه. وكان يقول لبنيه: إذا غدا عليكم الرجلُ وراح مسلماً، فكفى بذلك تقاضياً.

وقال خالدُ بن عبد الله القسري: محض الجودِ ما لم تسبقه مسألة، وما لم تبعه من، ولم يزر به قصرٌ، ووافق موضع الحاجة.

وقال بعض المحدثين - وهو حبيب الطائي:

أسائل نصر لا تسله فإنه … أحنُّ إلى الإرفاد منك إلى الرفد

وقال آخر - وهو أبو العتاهية:

لا تسألن المرء ذات يديه … فليحفرنك من رغبت إليه

المرء ما لم ترزه لك مكرم … فإذ رزأت المرء هُنت عليهِ

وكما يكون لديك من عاشرته … فكذاك فارض بِأَن تكون لديه

النخار العذري ومعاوية

ودخل النخارُ العذري على معاوية في عباءةٍ؛ فاحتقره معاويةُ، فرأى ذلك النخار في وجهه، فقال له: يا أمير المؤمنين، ليست العباءة تكلمك، إنما يكلمك من فيها. ثم تكلم فملأ سمعه، ثم نهض ولم يسأله، فقال معاوية: ما رأيت رجلاً أحقرَ أولاً ولا أجل آخراً منه.

محمد بن كعف القرظي

وسليمان بن عبد الملك

ودخل محمد بن كعب القرظي على سليمان بن عبد الملك في ثياب رثةٍ، فقال له سليمان: ما يحملك على لبس مثل هذه الثياب؟ فقال: أكره أن أقول: الزهدُ، فأطري نفسي، أو أقول: الفقر، فأشكو ربي.

سالم بن عبد الله بن عمر

وهشام بن عبد الملك

١٥٣ / ٣٣٦