الكامل في اللغة والأدب محمد بن يزيد المبرد

للحسن وقد رأى رجلا يجود بنفسه

الجزء ١ · صفحة ١٥٢

وزعم الأصمعي أنه سأل أعرابياً، وهو بالموضع الذي ذكره زهيرٌ:

ثم استمروا وقالوا إن مشربكم … ماء بشرقي سلمى فيدُ أو رككُ

قال الأصمعي: فقلت لأعرابي: أتعرف رككاً؟ فقال: لا، ولكن قد كان ههنا ماء يسمى ركاً.

فهذا ليست فيه لغتان، ولكن الشاعر إذا احتاج إلى الحركة اتبع الحرف المتحرك الذي يليه الساكنُ ما يشاكله، فحرك الساكن بتلك الحركة. فالعبد مناف بن ربع الهذلي:

إذا تجاوب نوح قامتا معه … ضرباً أليماً بسبتٍ يلعج الجلدا

يريد الجلد، فهذا مطردٌ.

ومن مذابهم المطرة في الشعر أن يلقوا على الساكن الذي يسكن ما بعده للتقييد حركةَ الإعراب، كما قال الراجز:

أنا ابن ماوية إذ جد النقرْ

يريد النقر يا فتى، وهو: النقرُ بالخيل، فلما أسكن الراء ألقى حركتها على الساكن الذي قبلها.

وشبيه بهذا قوله:

عجبت والدهر كثيرٌ عجبه … من عنزي سبني لم أضربه

أراد: " لم أضربه " ، يا فتى، فلما أسكن الهاء ألقى حركتها على الباء، وكان ذلك في الباء أحسن، لخفاء الهاء.

وقال أبو النجم:

أقولُ قرب ذا وهذا أزحلهُ

يريد أزحلهُ يا فتى.

وقال طرفة: حابسي ربعٌ وقفتُ به لو أطيعُ النفسَ لم أرمهُ ولم يلزمه رد الياء لما تحركت الميم، لأن تحركها ليس لها على الحقيقة، وإنما هي حركة الهاء.

وأما قول الشاعر:

حديث بني بدر إذا ما لقيتهم … كنزو الدبى في العرفج المتقاربِ

فليس كقوله:: " وشعر كبعرِ الكبش " ولكنه وصفهم بضؤولة الأصوات وسرعةِ الكلام وإدخال بعضه في بعض.

والذي يحمد الجهارة والفخامة.

لرجل يمدح الرشيد

وأنشدت لرجل قال يمدح الرشيد:

جهير الكلام جهير العطاسِ … جهير الرواء جهيرُ النغمْ

ويخطو على الأين خطو الظليمِ … ويعلو الرجالَ بخلقٍ عممْ

ويروى أن الرشيد كان يأتزر في الطواف فيذنب إزاره ويباعد بين خطاه، فإذا رجع بيده كاد يفتن من يراهُ، فعند ذلك مدح بهذا الشعر.

لعائشة وقد نظرت إلى رجل متماوت

ويروى أن أم الؤمنين عائشة رضي الله عنهانظرت إلى رجل متماوتٍ، فقالت: ما هذا؟ فقالوا: أد القراء، فقالت: قد كان عمر بن الخطاب قارئاً، فكان إذا قال أسمعَ، وإذا مشى أسرع، وإذا ضرب أوجع.

لعمر وقد نظر إلى رجل يظهر النسك

ويروى أن عمر بن الخطاب رحمه الله نظر إلى رجل مظهر للنسك متماوت، فخفقه بالدرة، وقال: لا تمتُ علينا ديننا، أماتك الله.

وفود الروم عند عبد الملك بن صالح العباسي

ويروى أن عبد الملك بن صالح بن علي بن عبد الله بن العباس أتته وفود من الروم، وقام السماطان، فأتي برج منهم، وعطس أحد من في السماطين فأخفى عطسته، فقال له عبد الملك لما انقضى أمر الوفد: هلا إذا كنت لئيم العطاس أتبعت عطستك صيحة حتى تخلع بها قلبَ العلج.

جهارة صوت العباس

وكان العباس بن عبد المطلب رحمه الله، أجهر الناس صوتاً، ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لما انهزم الناس يوم حنين: " يا عباس، اصرخ بالناس " .

ويروى أن غارة أتتهم يوماً، فصاح العباس: يا صباحاه! فاستسقطت الحوامل لشدة صوته.

وقد طعن في قول النابغة الجعدي:

وأزجر الكاشح العدو إذا اغ … تابك عندي زجراً على أضم

زجر أبي عروة السباع إذا … أسفق أن يختلطن بالغنم

وذلك أن الرواة احتملت هذا البيت على أنه كان يزجر الذئاب ونحوها مما يغير على الغنم، فيفتق مرارة السبع في جوفه.

فقال من يطعن في هذا: السبع أشد أيداً من الغنم، فإذا فعل ذلك بالسبع هلكت الغنم قبله. فقال من يحتج له: إن الغنم كانت قد أنست بهذا منه، والصوت الرائع أنسٌ لمن أنس به، كالرعد القاصف الذي لولا خشية صاعقته لم يفزع كبير فزع، ولو جاء أقل منه من جوف الأرض لذعر، ولم يبعد أن يقتل إذا أتى من حيث لم يعتد.

وجملة هذا البيت أنه وصف شدة صوت المذكور. وتأويله أنه من تكاذيب الأعراب.

للحسن وقد رأى رجلاً يجود بنفسه

وحدثت أن الحسن نظر إلى رجل يجود بنفسه فقال: إن أمراً هذا آخر لجدير بأن يزهد في أوله، وإن أمراً هذا أوله لجدير أن يخاف آخره.

١٥٢ / ٣٣٦