الكامل في اللغة والأدب محمد بن يزيد المبرد

لمحمود الوراق في الشيب

الجزء ١ · صفحة ١٥٤

وحدثني التوزي قال: دخل سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب على هشام بن عبد الملك في ثياب وعليه عمامة تخالفها، فقال له هشام: كأن العمامة ليست من الثياب! قال: إنها مستعارة، فقال له: كم سنك؟ قال: ستون سنة، قال: ما رأيت ابن ستين أبقى كدنة منك، ما طعامك؟ قال الخبز والزيت، قال: أما تأجمهما؟ قال: إذا أجمتهما تركتهما حتى أشتهيهما، ثم خرج من عنده وقد صدع، فقال: أترون الأحول لقعني بعينه، فمات من تلك العلة.

ونظر أعرابي إلى رجل جيد الكدنة فقال: يا هذا، إني لأرى عليك قطيفة محكمة من نسج أضراسك.

من أخبار أبي الأسود الدؤلي ودخل أبو الأسود الدؤلي علي عبيد الله بن زياد في ثياب رثةِ، فكساه ثياباً حساناً، فخرج وهو يقول:

كساك وما استكسيته فشكرته … أخٌ لك يعطيك الجزيل وناصرُ

وإن أحق الناس إن كنت مادحاً … بمدحك من أعطاك والعرض وافرُ

وحدثني الرياشي قال: دخل أبو الأسود الدؤلي على عبيد الله بن زياد وقد أسن، فقال له عبيد الله يهزأ به: يا أبا الأسودِ؛ إنك لجميل، فلو تعلقت تميمة ترد عنك العيون، فقال أبو الأسود:

أفنى الشباب الذي أفنيت جدتهُ … كر الجديدين من آتٍ ومنطلقِ

لم يتركا لي في طول اختلافهما … شيئاً أخافُ عليه لذعة الحدقِ

قوله: " فلو تعلقت تميمةً " هي: المعاذة يعلقها الرجلُ.

قال ابن قيس الرقيات:

صدروا ليلة انقضى الحج فيهم … طفلة زانها أغر وسيم

يتقي أهلها العيون عليها … فعلى جيدها الرقى والتميمُ

وقال أبو ذؤيب:

وإذا المنية أنشبت أظفارها … ألفيت كل تميمةٍ لا تنفعُ

وقوله: " لذعة الحدق " فهو من قولك: لذعته النار، إذا لفحته، ويقال: لذع فلانُ فلاناً بأدبٍ، إذا أدبه أدباً يسيراً، كأنه كالمقدار الذي وصفناه من النار.

وقول ابن قيس الرقيات: " زانها أغر وسيم " ، فالأغر: الأبيض - يعني الوجه، والوسيم: الجميل، والمصدر الوسامةُ والوسامُ.

لبعض المحدثين في الخضاب

وقال بعض المحدثين: ذكرناه بقول أبي الأسود:

قد كنت أرتاع للبيضاء في حلكٍ … فصرت أرتاعُ للسوداء في يققٍ

من لم يشب ليس مملاقاً حليلتهُ … وصاحب الشيب للنسوان ذو ملقِ

قد كن يفرقن منه في شبيبته … فصار يفرق ممن كان ذا فرقِ

إن الخضاب لتدليس يغش به … كالثوب في السوق مطوياً على حرقِ

ويروى: " يطوى لتدليس على حرقِ " وشبيهُ بهذا المعنى قول أبي تمام:

طال إنكاري البياض وإن عمر … تُ شيئاً انكرتُ لونَ السوادِ

وحدثني الزيادي قال: قيل لأعرابي: ألا تخضب بالوسمة، فقال: لِمَ ذاك؟ فقال: لتصبو ليك النساء، فقال: أما نساؤنا فما يردن بنا بديلاً، وأما غيرهن فما نلتمس صبوتهن.

للعتبي

وقال العتبي:

وقائلة تبيض والغواني … نوافرُ عن معالجة القتيرِ

عليك الخطر علك أن تدنى … إلى بيض ترائبهن حور

فقلتُ لها المشيب نذير عمري … ولست مسوداً وجه النذير

ليزيد بن المهلبي

وقال آخر - وهو أبو خالد يزيد بن محمدٍ المهلبي:

صبغت الرأس ختلاً للغواني … كما غطى على الريب المريبُ

أعلل مرةً وأساءُ أخرى … ولا تحصى من الكبر العيوبُ

أسوف توبتي خمسين عاماً … وظني أن مثلي لا يتوبُ

يقولم بالثقاف العودُ لدناً … ولا يتقوم العودُ الصليبُ

وقال مالك بن دينار: جاهدوا أهواءكم، كما تجاهدون أعداءكم. وكان يقول: ما أشد فطام الكبير.

وقال آخر:

دعي لومي ومعتبتي أماما … فني لم أعود أن ألاما

وكيف ملامتي إذ شاب رأسي … على خلقٍ نشأتُ به غلاما

وقيل لأعرابي: ألا تغير شيبك بالخضاب؟ فقال: بلى، ففعل ذاك مرة، ثم لم يعاود، فقيل له: لِمَ لا تعاود الخضاب؟ فقال: يا هناه، لقد شد لحيايَ فجلت أخالني ميتاً.

لمحمود الوراق في الشيب

وقال بعض المحدثين، وهو محمودٌ الوراق:

١٥٤ / ٣٣٦