من تكاذيب الأعراب
الجزء ١ · صفحة ١٦٠ونزل أعرابي من طيىء، يقال له المثنّى بن معروف بأبي جبر الفزاري، فسمعه يوماً يقول: والله لوددت أني أبيت الليلة خالياً بابنة عبد الملك بن مروان، فقال له المثنّى: أحلالاً أم حراماً؟ فقال: ما أبالي، فوثب عليه فضرب رأسه برحالة، ثم انتقل وهو يقول:
أبلغ أمير المؤمنين رسالة … على النأي أنّي قد وترت أبا جبر
كسرت على اليافوخ منه رحالة … لنصر أمير المؤمنين وما يدري
على غير شيء غير أنّي سمعته … بنى بنساء المسلمين بلا مهر
من أخبار الحجاج
ويروى: أنّ الحجاج بن يوسف جلس لقتل أصحاب عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث، فقالم رجل منهم فقال: أصلح الله الأمير! إنّ لي عليك حقّا، قال: وما حقّك؟ قال: سبّك عبد الرحمن يوماً فرددت عليه، قال: من يعلم ذاك؟ قال: أنشد الله رجلاً سمع ذاك إلاّ شهد به، فقام رجل من الأسراء فقال: قد كان ذاك أيها الأمير، قال: خلّوا عنه، ثم قال للشاهد: فما منعك أن تنكر كما أنكر؟ قال: لقديم بغضي إيّاك؛ قال: ويخلّى عنه لصدقه.
وقال عمر بن الخطاب لرجل - وهو أبو مريم السّلوليّ - : والله لا أحبّك حتى تحبّ الأرض الدّم،. قال: أفتمنعني حقّا؟ قال: لا، قال: فلا بأس، إنّما يأسف على الحبّ النساء.
وقال الحجاج لرجل من الخوارج، فجعلت لا تنظر إليه؛ وكان يزيد بن أبيمسلم يرى رأي الخوارج ويكتم ذاك، فأقبل على المرأة فقال: انظري إلى الأمير، فقالت: لا أنظر إلى من لا ينظر الله إليه. فكلّمها الحجاج وهي كالسّاهية، فقال لها يزيد: اسمهي ويلك من الأمير! فقالت: الويل لك أيها الكافر الرّدّيّ!.
قال أبو العباس: والرّدّيّ عند الخوارج الذي له عقدهم ويظهر خلافه رغبة في الدنيا.
وكان صالح بن عبد الرحمن كاتب الحجاج وصاحب دواوين العراق والذي قلب الدواوين إلى العربية، ثم كان على خراج العراق أيام ولي يزيد بن المهلّب العراق فأشجى يزيد، وقد كان يرى رأي الخوارج فكايده يزيد بن أبي مسلم مولى الحجاج، فأشار على الحجاج أن يأمره بقتل جوّاب الضّبّيّ، وهو رأس من رؤوس الخوارج، وقال يزيد: إن فعل برئت منه الخوارج وقتلته، وإن أمسك قتله الحجاج، فقتله.
وخبّرت أنه قال: والله ما قتلته رغبة في الحياة، ولكنّي خفت يسبي الحجاج بناتي، وكان يقول بعد: إنّي حين أقتل جوّاباً لحريص على الدنيا، فلما عذّبه عمر بن هبيرة في خلافة يزيد بن عاتكة رمي به على قمامة، وهو لمآبه. فسمع يحكّم عليها، وحكّم مالك بن المنذر بن الجارود، وهو بآخر رمق في سجن هشام بن عبد الملك.
ودخل يزيد بن أبي مسلم على سليمان بن عبد الملك، وكان دميماً، فلما رآه سليمان قال: قبح الله رجلاً أجرّك رسنه، وأشركك في أمانته! فقال له يزيد: يا أمير المؤمنين، رأيتني والأمر لك وهو عنّي مدبر، ولو رأيتني والأمر عليّ مقبل لاستكبرت منّي ما استصغرت، واستعظمت منّي ما استحقرت، فقال: أترى الحجاج استقرّ في قعر الجحيم بعد! فقال: يا أمير المؤمنين، لا تقل ذلك في الحجاج، فإنّ الحجاج وطّأ لكم المنابر، وأذل لكمالجبابر، وهو يجيء يوم القيامة عن يمين أبيك، وعن يسار أخيك فحيث كانا كان.
باب
من تكاذيب الأعراب
قال أبو العباس: وهذا باب من تكاذيب الأعراب.
حدّثني أبو عمر الجرميّ قال: سألت أبا عبيدة عن قول الرّاجز:
أهدّموا بيتك لا أبا لكا … وأنا أمشي الدّألى حوالكا!
فقلت: لمن هذا الشعر؟ فقال تقول العرب: هذا يقوله الضب للحسل، أيام كانت الأشياء تتكلم.
الدألي: مشي كمشي الذئب، يقال:هو يدأل في مشيته، إذا مشى كمشية الذئب، من قول امرىء القيس:
أقب حثث الركض والدالان
ومن قال في بيت ابن عتمة الضبي:
حقيبة رحلها بدن وسرج … تعارضه مرببة دؤول
فنما أراد هذا، ومن قال ذؤول فإنماأراد السرعة، يقال: مر يذأل، إذا مر يسرع.
وقوله حوالكا يقال: هو يطوف واله وحوله وحواليه. ومن قال: حواليه بالكسر: فقد أخطأ، وفي القرآن " نودي أن بورك من في النار ومن حولها " وحواليه: تثنية حوال، كما تقول: حنانية، الواحد حنان، قال الشاعر:
فقالت حنان ما تيى بك ههنا … أذو نسب أم أنت بالحي عارف؟