من أخبار الحطيئة والمختارمن شعره
الجزء ١ · صفحة ١٥٧ولمأدر من ألقى عليه رداءه … على أنه قد سل عن ماجد محضِ
ولم يك مثلوج الفؤاد مهيجاً … أضاع الشباب في الربيلة والخفض
ولكنه قد لوحته مخامص … على أنه ذو مرةٍ صادق النهضِ
كأنهم يسعون في إثر طائر … خفيف المشاش عظم غير ذي نحضِ
يبادر جنح الليل فهو مهابذ … يحث الجناح بالتبسط والقبض
وقوله:
قبح الإله وجوه قوم رضع
فهو جماعة راضع. وقوم يقولون: هو توكيد للئيم، كما يقولون: جائع نائع، وحسن بسن، وعطشان نطشان، وأجمع أكنع. وقوم يقولون الراضع هو الذي يرتضع من الضرع لئلا يسمع الضيف أو الجار صوت الحلب فيطلب منه.
وتديق ذلك ما أنشدناه أبو عثمان عمرو بن بحرٍ لرجلٍ من الأعراب ينسب ابن عم له إلى اللؤم والتوحش:
أحب شيءٍ إليه أن يكون له … حلقوم وادٍ له في جوفهِ غارُ
لا تعرف الريح ممساه ومصحبه … ولا يشب إذا أمسى له نارُ
لا يحلب الضرع لؤماً في الإناء ولا … يرى له في نواحي الصحن آثار
وقوله: كيف دليلاك فهي كثرة الدلالة، والفعيلي إنما تستعمل في الكثرة، ويقال: القتيتي لكثرة النميمة، ويقال: الهجيري لكثرة الكلمة المترددة على لسان الرجل، يقال: ذكرك هجيراي، أي هو الذي يجري على لساني، وفي الحديث: " كان هجيري أبي بكر الصديق رحمه الله بلا إله إلا الله " ويقال: كان بينهم رميا، لكثرة الرمي، وكذلك كل ما أشبه هذا.
وقوله: " بجانب قوسي " فهو بلد تحله ثمالة بالسراة.
وقوله: " بلى إنها تعفو الكلوم " فهي الجراح والآثار التي تشبهها، قال جرير:
تلقى السليطي والأبطال قد كلموا … وسط الرجال سليماً غير مكلومِ
وينشد: وسط الرحال. وتعفو تدرسُ.
وقوله: " عظمه غير ذي نحض " ، النحض: اللحم، يقال: يأكل ويروي الرجال محضاً.
وقوله: فهو مهابذ يقول: مجتهد. وهذيل فيها سعي شدي، وفي جماعة من القبائل التي تحل بأكناف الحجاز.
من أخبار الحطيئة والمختارمن شعره
ولقي الزبرقان بن بدر - وهو قاصد بصدقات قومه إلى أبي بكر الصديق رحمه الله - الحطيئة في طريقه، فقال له الزبرقان: من أنت؟ فقال: أنا أبو مليكة، أنا حسب موضوع، فقال له الزبرقان: إني أريد هذا الوجه، ومالك منزلٌ، فامض إلى منزلي بهذا السهم، فسل عن القمر بن القمر، وكن هناك حتى أود إليك، ففعل فأنزلوه وأكرموه، فأقام فيهم فحسدهم عليه بنو عمهم من بني قريع، وذلك أن الزبرقان من بني بهدلة بن عوف بن كعب بن سعدٍ بن زيد مناة بن تميم، وحاسدوه بنو قريع بن عوف بن كعب بن سعدِ، ولم يكن لعوف إلا قريقع وعطارد وبهدلة. وكان الذين حسدوه منهم بنو لأي بن شماس بن أنف الناقة بن قريع فدسوا إلى الحطيئة: أن تحول إلينا نعطط مائة ناقةٍ، ونشد كل طنب من أطناب بيتك بجلة بحونةٍ، قال: فأنى لي بذلك! قالوا:إنهم يريدون النجعة فإذا احتملوا فتخلف عنهم، ثم دسوا إلى امرأة الزبرقان من خبر بأن الزبرقان إنما قدم هذا الشيخ ليتزوج ابنته، فقدح ذلك في قلبها، فلما تحمل القوم تخلف الحطيئة، فاحتمله القريعيون، فبنوا له ووقوا له، فلما جاء الزبرقان صار إليهم، فقال: ردوا علي جاري، فقالوا: ليس لك بجارٍ وقد طرحته؛ فذلك حيث يقول الحطيئة:
وإن التي نكبتها عن معاشرٍ … علي غضاب أن صددت كما صدوا
أتت آل شماسٍ بن لأيٍ وإنما … أتاهم بها الأحلام والحسبُ العد
فإن الشقي من تعادي صدروهم … وذا الجد من لانوا إليه من ودوا
يسوسون أحلاماً بعيداً أناتها … وإن غضبوا جاء الحفيظة والجد
أقلوا عليهم لا أباً لأبيكمُ … من اللوم أو سدوا المكان الذي سدوا
ولئك قوم إن بنوا أحسنوا البنا … وإن عاهدوا أوفوا وإن عقدوا شدوا
ون كانت النعماء فيهم جزوا بها … وإن أنعموا لا كدروها ولا كدوا
وإن قال مولاهم على جل حادثٍ … من الدهر ردوا فضل أحلامكم، ردوا