الكامل في اللغة والأدب محمد بن يزيد المبرد

المثنى بن معروف مع أبي جبر الفزاري

الجزء ١ · صفحة ١٥٩

فأما الأسي فمقصور، وهو: الحزن، ومن ذلك قول الله جل ثناؤه: " فلا تأس على القوم الكافرين " وقال العجاج:

يا صاح هل تعرف رسماً مكرسا … قال نعم أعرفهُ، وأبلسا

وأنحلبت عيناه من فرط الأسى

فإذا قلت: الأسى قصرت أيضاً، وهو جمع أسوة، يقال فلان أسوتي وقدوتي. قال الله جل وعزَّ: " لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنةٌ " .

والرَّمس: التراب، يقال: رمسَ فلانٌ في قبره.

وأشعار الحطيئة في هذا الكتاب كثيرة، ولولا أنها معروفة مشهورة لأتينا على آخرها، ولكنا نذكر منها شيئاً مختاراً.

فمن ذلك قوله:

جزى الله خيراً والجزاء بكفه … على خير ما يجزي الرجال بغيضا

فلو شاء إذا جئناه فلم يلم … وصادف منا في البلاد عريضا

يقول: كثرت محاسنه حتى كذب ذامه، فاستغنى عن أن يكثر مادحه، ثقة بأن هاجيه غير مصدقٍ، فاعتبر هذا الكلام، فإنك تجده رأساً في بابه.

ومن ذلك قوله:

وني قد علقتُ بحبل قوم … أعانهم على الحسب الثراء

إذا نزل الشتاء بجار قوم … تجنب جار بيتهم الشتاءُ

همُ الآسون أم الرأس لما … تواكلها الأطبة والإساءُ

ثم قال يخاطب الزبرقان ورهطه:

ألم أك نائياً فدعوتموني … فجاء بي المواعد والدعاءُ

فلما كنت جاركم أبيتم … وشر مواطن الحسب الإباءُ

ولما كنت جارهم حبوني … وفيكم كان لو شئتم حباءُ

فلما أن مدحت القوم قلتم … هجوت، وهل يحل لي الهجاءُ!

ولم أشتم لكم حسباً ولكن … حدوث بحيث يستمع الحداءُ

ويروى أن الحطيئة - واسمه جرول بن أوس ويكنى: أبا مليكة - مر بحسان بن ثابتٍ وهو ينشدُ:

بنا الجفنات الغر يلمعن بالضحى … وأسيافنا يقطرن من نجدة دما

أدخله سيبويه رحمه الله على أن الجفنات من الجمع الكثير، فالتفت إليه، فقال: كيف ترى؟ فقال: ما أرى بأساً، قال حسان: انظروا إلى هذا الأعرابي يقول: ما أرى بأساً، أبو من؟ قال: أبو مليكة، قال حسان: ما كنت علي أهون منك حيث اكتنيت بامرأة! ما أسمك؟ قال: الحطيئة، قال: امضِ بسلامٍ.

وكان الحطيئة في حبس عمر بن الخطاب رحمه الله، باستدعاء الزبرقان عليه في هذه القصة، ولعمر يقول:

ماذا تقول لأفراخ بذي مرح … حمر الحواصل لا ماء ولا شجر

ألقيت كاسبهم في قعر مظلمة … فاغفر عليك سلام الله يا عمر

أنت الإمام الذي من بعد صاحبه … ألقت إليك مقاليد النُّهى البشر

ما آثروك بها إذ قدّموك لها … لكن بك استأثروا إذ كانت الأثر

ويرى عن أبي زيد الأنصاريّ أنه قال: ويرى الأثر والواحدة أثرة وإثرة؛ ومعناه الاستئثار.

فرقّ له عمر فأخرجه،فيروى أنّ عمر رحمه الله دعا بكرسيّ فجلس عليه، ودعا بالحطيئة فأجلسه بين يديه، ودعا بإشفى وشفرة، يوهمه أنه على قطع لسانه، حتى ضجّ من ذاك، فكان فيما قال له الحطيئة: يا أمير المؤمنين؛ إني والله قد هجوت أبي وأمي، وهجوت امرأتي، وهجوت نفسي. فتبسم عمر رحمه الله، ثم قال: فما الذي قلت؟ قال: قلت لأبي وأمي - والمخاطبة للأمّ:

ولقد رأيتك في النساء فسؤتني … وأبا بنيك فساءني في المجلس

وقلت لها:

تنحّي فاجلسي منّي بعيداً … أراح الله منك العالمينا

أغربالاً إذا استودعت سرّاً … وكانوناً على المتحدّثينا

وقلت لامرأتي:

أطوّف ما أطوّف ثم آوي … إلى بيت قعيدته لكاع

فقال له عمر رحمه الله: فكيف هجوت نفسك؟ فقال: اطّلعت في بئر فرأيت وجهي فاستقبحته، فقلت:

أبت شفتاي اليوم ألاّ تكلّما … بسوء فما أدري لمن أنا قائله

أرى لي وجهاً قبّح الله خلقه … فقبّح من وجه وقبّح حامله

المثنى بن معروف مع أبي جبر الفزاري

١٥٩ / ٣٣٦