الكامل في اللغة والأدب محمد بن يزيد المبرد

مفتوح العين

الجزء ١ · صفحة ١٦٤

ويورى أن رجلاً وفد على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسأله عن بعض شيء، فكذبه، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: أأسألك فتكذبني؟ لولا سخاء فيك ومقك الله عليه لشردت بك من وافدِ قومٍ.

معنى ومقك أحبك، يقال ومقته أمقه، وهو على فعلت أفعلُ ونظيره من هذا المعتل ورم يرم، وولي يلي. وكذلك وسع يسع، كانت السين مكسورةً، وإنما فتحت للعين، ولو كان أصلها الفتح لظهرت الواو، نحو وجل يوجل، ووحل يوحلُ. والمصدر مقةٌ كقولك: وعد يعد عدةً، ووجد يجد جدةً.

ويروى: أن رجلاً أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلمِ، ثم قال: يا رسول الله، إني إنما أوخذ من الذنوب بما ظهر، وأنا أستسر بخلالٍ أربع: الزنا والرق وشرب الخمر والكذب، فأيهن أحببت تركت لك سرا، فقال رسول الله: دع الكذب. فلما تولى من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم هم بالزنا، فقال: يسألني رسول الله، فإن جحدت نقضت ما جعلت له، وإن أقررت حددت. فلم يزن، ثم هم بالسرق، ثم هم بشرب الخمر، ففكر في مثل ذلك، فرجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله، قد تركتهن جمع.

وشهد أعرابي عند معاية بشهادة، فقال له معاوية: كذبت، فقال له الأعرابي: الكاذب متزمل في ثيابك، فقال معاوية: هذا جزاء من عجل.

وقال معاوية يوماً للأحنف - وحدثه حديثاً: أتكذبُ؟ فقال: والله ما كذبتُ مذ علمت أن الكذب يشين أهلهُ.

ودخل عبد الله بن الزبير يوما على معاوية، فقال: اسمع أبياتاً قلتهن - وكان واجداً عليه - فقال معاوية: هات، فأنشده:

إذا أنت لم تنصف أخاك وجدته … على طرف الهجران ن كان يعقل

ويركب حد السيف من أن تضيمه … إذا لم يكن من شفرة السيف مزحلُ

فقال له معاوية: لقد شعرت بعدنا يا أبا بكر، ثم لم ينشب معاوية أن دخل عليه معن بن أوس المزني، فقال له: أقلت بعدنا شيئاً؟ قال: نعم، فأنشده:

لعمرك ما أدري وإني لأوجل … على أينا تعدو المنيةُ أولُ

حتى صار إلى الأبيات التي أنشدها ابن الزبير، فقال له معاوية: يا أبا بكر، أما ذكرت آنفاً أن هذا الشعر لك؟ قال: أنا أصلحت معانيه، وهو ألف الشعر، وهو بعد ظئري، فما قال من شيء فهو لي.

وكان عبد الله بن الزبير مسترضعاً في مزينة.

وحدثت أن عمرَ بن عبد العزيز بن مروان كتب في إشخاص إياس بن معاوية المزني وعدي بن أرطاة الفزاري أمير البصرة وقاضيها يومئذ، فصار إليه عدي، فقرب أن يمزنه عند الخليفة، فقال: يا أبا وائلة، إن لنا حقاً ورحماً، فقال إياسُ: أعلى الكذب تريدني؟ والله ما يسرني أني كذبت كذبة يغفرها الله ولا يطلع عليها إلا هذا - وأومأ إلى أبيه - ولي ما طلعت عليه الشمس.

قال أبو الحسن: التمزين المدح؛ ولم أسمع هذه اللفظة إلا من أبي العباس، وهي عندي مشتقة من المازن وهو بيض النمل، وبهذا سميت مازن كأنه أراد منه أن يكبره.

ويروى: يكثره. قال القتبي: المازن: بيض النمل.

قال الشيخ: قوله: أن يمزنه عند الخليفة أي كأنه يجعله سيد مزينة، لأنه كان مزنياً، والصواب: يمزره قال الموصلي.

وإني مع ذا الشيب حلو مزيرُ

ولم يكن في القضاة؛ وإنما كان أميراً على البصرة.. إن مات عمر..

وكتب عمر إلى عدي: اجمع ناساً ممن قبلك وشاورهم في إياس بن معاوية والقاسم بن ربيعة، واستقضِ أحدهما؛ فولى عدي إياساً.

ويروى أن أخا إياس صار إلى ابن هبيرة فقال: طرقني اللصوص فحاربتهم فهزمتهم، وظفرت منهم بهذا المغول؛ فجعله ابن هبيرة تحت مصلاهُ، ثم بعث إلى الصياقلة فأحضرهم، فقال: أيعرف منكم الرجل عمله؟ قالوا: نعم، فأخرج المغول فقال: من عملِ أيكم هذا؟ فقال قائل منهم: أنا عملت هذا، واشتراه مني هذا أمس.

باب

ما يجوزُ فيه يَفْعَلُ فيما ماضيهِ فَعَلَ

مفتوح العين

أعلم أن كان فعل على فعلَ فهو عير متعد إلى مفعولٍ، لأنه فعلُ الفاعل في نفسه، وتأويل الانتقال، وذلك قولك: كرمَ عبد الله، وظرف عبد الله.

وتأويل قولي: الانتقالُ، إنماهو انتقال من حالٍ إلى حال، تقولُ: ما كان كريماً ولقد كرم، وما كان شريفاً ولقد شرف، فهذا تأويله، فأما قولهم: كدت أكاد، فإنما كدت معترضة على أكادُ.

١٦٤ / ٣٣٦