الكامل في اللغة والأدب محمد بن يزيد المبرد

لمحمد بن عبد الله الثقفي

الجزء ١ · صفحة ١٦٨

ويقال: إن علياً عليه السلام عاد زياداً في منزل شيرويه، فقال عبيد الله يوماً لرجل كلمه فظن به رأي الخوارج: أهروري منذ اليومِ؟ يريد: أحروري، وهذه الهاء تشترك في قلبها من الحاء أصنافٌ من العجم.

وكان زيادٌ الأعجم - وهو رجلٌ من عبد القيس - يرتضخ لكنةً أعجمية، يذهب فيها إلى مذهب قوم بأعيانهم من العجم.

وأنشد المهلب بن أبي صفرة في مدحه إياه:

فتى زاده السلتان في المدح رغبةً … إذا غير السلتان كل خليلِ

يريد السلطان، وذلك أن بين التاء والطاء نسباً، فلذلك قلبها تاءً، لأن التاء من مخرج الطاء فقال: السلتان.

أما الغنة، فتستحسن من الجارية الحديثة السن، لأنها ما لم تفرط تميل إلى ضربٍ من النغمة، قال ابن الرقاع العاملي يصف الظبية وولدها:

تزجي أغن كأن إبرةَ روقهِ … قلمٌ أصاب من الدواةِ مدادها

باب

لمحمد بن عبد الله الثقفي

قال محمد بن عبد الله بن نميرٍ الثقفي:

لم تر عيني مثل سربٍ رأيته … خرجن من التنعيم معتجرات

مررن بفخ ثم رحن عشيةً … يلبين للرحمن مؤتجراتِ

تضوع مسكاً بطن نعمانَ أن مشتْ … به زينب في نسوةٍ عطراتِ

وقامت تراءى يوم جمعٍ فأفتنت … برؤيتها من راح من عرفاتِ

ولما رأت ركبَ النميري أعرضت … وكن من أن يلقينه حذراتِ

دعت نسوةً شمَّ العرانين بدناً … نواعمَ لاشعثاً ولا غبراتِ

فأدنين لما قمنَ يحجبن دونها … حجاباً من القسي والحبراتِ

أحل الذي فوق السمواتِ عرشهُ … أوانس بالبطحاء معتمراتِ

يخبئن أطراف البنانِ من التقى … ويخرجن جنح الليل مختمراتِ

قوله: مثل سربٍ رأيتهُ، هو القطعة من النساء، أو من الظباءِ، أو من البقرِ، أو من الطير، كما قال:

لم تر عيني مثل سربٍ رأيته … خرجن علينا من زقاق ابن واقف

فهذا يعني نساءً. ويقالُ: مرت بنا سربةٌ من الطير، في هذا المعنى، قال ذو الرمةِ:

سوى ما أصاب الذئب منه وسربةٌ … أطافت به من أمهاتِ الجوازلِ

ويقال: فلانٌ واسعٌ السربِ، يعني بذلك الصدرَ، ويقال: خل لفلانٍ سربهُ، أي طريقه الذي يسربُ فيه، ويقال للإبل كذلك بالفتح: لأذعرن سربكَ.

ويقال: حذراتُ، حذراتُ، ويقظٌ، ويقُظٌ؛ قال ابن أحمر:

هل ينسئن يومي إلى غيره … أني حوالي وأني حذرُ

وقوله:

وكنّ من أن يلقينه حذراتِ

الأصل من أن يلقينه ولكن الهمزة إذا خففت وقبلها ساكنٌ ليس من حروف اللين الزوائد، فتخفيفها - متصلة كانت أو منفصلة - أن تلقي حركتها على ما قبلها وتحذفها، تقول: من أبوك؟، فتفتح النون وتحذف الهمزة، ومن أخوانك؟، ومن أم زيدٍ؟؛ فتضم النون وتكسرها وتفتحها، على ما ذكرت لك، وتقول: " الذي يخرج الخبْ في السموات " النمل: 25 وفلانٌ له هيةٌ، وهذه مرةٌ، إذا خففت الهمزة في الخبء والهيئة والمرأةِ، وعلى هذا قوله تعالى: " سل بني إسرائيل " البقرة: 211 لأنها كانت اسأل فلما حركت السين بحركةِ الهمزة سقطت ألف الوصلِ، لتحرك ما بعدها، وإنما كان التخفيف في هذا الموضع بحذف الهمزةِ، لأن الهمزةَ إذا خففت قربت من الساكن، والدليل على ذلك أنها لا تبتدً إلا محققة، كما لا يبتدأ إلا بمتحركٍ، فلما التقى الساكن وحروف تجري مجرى الساكن حذفت المعتل منها، كما تحذف لالتقاء الساكنين.

وقوله: " دعت نسوةٌ شم العرانين " ، الشماء السابقة الأنف، والمصدر الشمم.

وقال أحد الشعراء يمدح قثم بن العباس:

نجوت من حلٍّ ومن رحلةٍ … يا ناق إن قربتني من قثمْ

إنكِ إن قربتنيه غداً … عاش لنا اليسر وماتَ العدمْ

في باعهِ طولٌ وفي وجههِ … نورٌ وفي العرنين منه شممْ

لم يدرِ ما لا وبلى قد درى … فعافها واعتاض منها نعمْ

قال أبو الحسن: أنشدنيه أبي لسليمان بن قتة، وزادني:

أصم عن ذكر الخنا سمعهُ … وما عن الخير به من صممْ

والعرنين والمرسن والأنف واحدٌ، لما يحيط بالجميع.

١٦٨ / ٣٣٦