أفصح الناس
الجزء ١ · صفحة ١٦٧فهم الفتى الأزدي إتلاف ماله … وهم الفتى القيسي جمع الدراهم
فلا يحسب التمتام أني هجوته … ولكنني فضلت أهل المكارم
وقال آخر أيضاً:
ليس بفأفاءٍ ولا تمتامِ … ولا محت سقطِ الكلامِ
وقال الشاعر:
وقد تعتريه عقلة في لسانه … إذا هز نصل السيف غير قريب
وزعم عمرو بن بحر الجاحظ عن محمد بن الجهم قال: أقبلت على الفكر في أيام محاربة الزّطّ، فاعترتني حبسة في لساني. وهذا يكون لأن اللسان يحاتج إلى التمرين على القول، حتى يخفّ له، كما تحتاج اليد إلى التمرين على العمل، والرّجل إلى التمرين على المشي، وكما يعانيه موتر القوس ورافع الحجر ليصلب ويشتدّ، قال الراجز:
كأن فيه لففاً إذا نطق … من طول تحبيس وهمّ وأرق
وقال ابن المقفع: إذا كثر تقليب اللسان رقّت جوانبه ولانت عذبته.
وقال العتّابي: إذا حبس اللسان عن الاستعمال اشتدت عليه مخارج الحروف.
وأما الرّتة فإنها تكون غريزة، قال الراجز:
يا أيها المخلّط الأرت
ويقال: إنها تكثر في الأشراف، ولم توجد تختص واحداً دون واحد.
وأما الغمغمة فقد تكون من الكلام وغيره، لأنه صوت لا يفهم تقطيع حروفه.
أفصح الناس
وحدّثني من لا أحصي من أصحابنا عن الأصمعي عن شعبة عن قتادة، قال: قال معاوية يوماً: من أفصح الناس؟ فقام رجل من السماط فقال: قوم تباعدوا عن فراتية العراق، وتيامنوا عن كشكشة تميم، وتياسروا عن كسكسة بكر، ليس فيهم غمغمة قضاعة، ولا طمطمانية حمير. فقال له معاوية: من أولئك؟ فقال: قومي يا أمير المؤمنين، فقال له معاوية: من أنت؟ قال: أنا رجل من جرم. قال الأصمعي: وجرم من فصحاء الناس.
قوله: " تيامنوا عن كشكشة تميم " ، فإن بني عمرو بن تميم إذا ذكرت كاف المؤنث فوقفت عليها أبدلت منها شيئاً، لقرب الشين من الكاف في المخرج، وأنها مهموسة مثلها، فأرادوا البيان في الموقف، لأن في الشين تفشياً، فيقولون للمرأة: جعل الله لك البركة في دارش، ويحك مالش، والتي يدرجونها يدعونها كافاً، والتي يقفون عليها يبدلونها شيناً.
وأما بكر فتخلف في الكسكسة، فقوم منهم يبدلون حركة كاف المؤنث في الوقف بالسين، فيزيدونها بعدها، فيقولون: أعطيتكس.
أما الغمغمة فما ذكرت لك.
وقال الهارب لامرأته يوم الخندقة، وذاك أنها نظرت إليه يحد حربة في يوم فتح مكة، فقالت: ما تصنع بهذه؟ قال: أعددتها لمحمد وأصحابه؛ فقالت: والله إن أراه يقوم لمحمد وأصحابه شيء، فقال لها: إني لأرجو أن أخدمك بعضهم؛ وأنشأ يقول:
إن تقبلوا فما بي علة … هذا سلاح كامل وأله
وذو غرارين سريع السلة
الألة: الحربة، والغرار ههنا: الحد، يعني " بذي غرارين " السيف.
فلما لقيهم خالد يوم الخندقة انهزم الرجل، فلامته امرأته، فقال:
إنك لو شهدت يوم الخندقة … إذ فر صفوان وفر عكرمه
ولحقتنا بالسيوف المسلمه … يفلقن كل ساعد وجمجمه
ضرباً ولا تسمع إلا غمغمه … لهم نهيت حولنا وجمجمه
لم تنطقي في اللوم أدنى كلمه
وأما الطمطمانية، ففيها يقول عنترة:
تبري له حول النعام كأنها … حزق يمانية لأعجم طمطم
وكان صهيب أبو يحيى صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم يرتضخ لكنة رومية، ويذكرون أن نسبه في النمر بن قاسط صحيح.
وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " صهيب سابق الروم، وسلمان سابق الفرس، وبلال سابق الحبشة " .
وقال عمر لصهيب في قوله: إنه من النمر بن قاسط: قد سمعت ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيمن انتمى إلى غير نسبه، فقال صهيب: أنا من القوم، ولكن وقع علي سباء.
وكان عبد بني الحسحاس يرتضخ لكنة حبشية، فلما أنشد عمر بن الخطاب:
عميرة ودع إن تجهزت غاديا … كفى الشيب والإسلام للمرء ناهيا
فقال عمر: لو كنت قدمت الإسلام على الشيب لأجزتك، فقال: ما سعرت، يريد: ما شعرت.
وكان عبيد الله بن زياد يرتضخ لكنة فارسية، وإنما أتته من قبل زوج أمه شيرويه الإسواري.