الكامل في اللغة والأدب محمد بن يزيد المبرد

حديث أبي النجم العجلي مع هشام بن عبد الملك

الجزء ١ · صفحة ٢١٤

وقال جرير:

ما في مقام ديار تغلب مسجد … وبها كنائس حنتم ودنان

والتشبيه جار كثيراً في كلام العرب، حتى لو قال قائل: هو أكثر كلامهم، لم يبعد.

قال الله عز وجل وله المثل الأعلى: " الزجاجة كأنها كوكب دري " " النور: 35 " . وقال: " طلعها كأنه رءوس الشياطين " " الصافات: 65 " . وقد اعترض معترض من الجهالة الملحدين، في هذه الآية. فقال: إنما يمثل الغائب بالحاضر، ورؤوس الشياطين لم نرها، فكيف يقع التمثيل بها! وهؤلاء في هذا القول كما قال الله جل وعز: " بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ولما يأتهم تأويله " " يونس: 39 " . وهذه الآية قد جاء تفسيرها على ضربين : أحدهما، أن شجراً يقال له الأستن ، منكر الصورة يقال لثمره: رؤوس الشياطين، وهو الذي ذكره النابغة في قوله:

تحيد عن أستن سود أسافله

وزعم الأصمعي أن هذا الشجر يسمى الصوم.

والقولم الآخر - وهو الذي يسبق إلى القلب - أن الله جل ذكره شنع صورة الشياطين في قلوب العباد. فكان ذلك أبلغ من المعاينة، ثم مثل هذه الشجرة مما تنفر منه كل نفس.

حديث أبي النجم العجلي مع هشام بن عبد الملك

قال أبو العباس: وحدثت في إسناد متصل أن أبا النجم العجلي أنشد هشاماً :

والشمس قد صارت كعين الأحول

لما ذهب به الروي عن الفكر في عين هشام، فأغضبه، فأمر بطرده، فطرد . فأمل أبو النجم رجعته. فكان يأوي المسجد ، فأرق هشام ذات ليلة، فقال لحاجبه: ابغني رجلاً عربياً فصيحاً يحادثني وينشدني. فطلب له ما طلب، فوقف على أبي النجم، فأتى. فلما دخل به إليه قال: أين تكون منذ أقصيناك؟ قال: بحيث ألفتني رسلك. قال: فمن كان أبا مثواك؟ قال: رجلين. كلبياً وتغلبياً. أتغدى عند أحدهما، وأتعشى عند الآخر، فقال له: مالك من الولد؟ قال: ابنتان. قال: أزوجتهما؟ قال: زوجت إحداهما. قال: فيم أوصيتها؟ قال قلت لها ليلة أهديتها:

سبي الحماة وابهتي عليها … وإن أبت فازدلفي إليها

ثم اقترعي بالود مرفقيها … وجددي الحلف به عليها

لا تخبري الدهر بذاك ابنيها

قال: أفأوصيتها بغير هذا؟ قال: نعم، قالت:

أوصيت من برة قلباً حمرا … بالكلب خيراً والحماة شرا

لا تسأمي نهكاً لها وضرا … والحي عميهم بشر طرا

وإن كسوك ذهباً ودرا … حتى يروا حلو الحياة مرا

قال هشام: ما هكذا أوصى يعقوب ولده. قال أبو النجم: ولا أنا كيعقوب، ولا بنتي كولده، قال: فما حال الأخرى؟ قال: قد درجت بين بيوت الحي، وتنفعنا في الرسالة والحاجة، قال: فما قلت فيها؟ قال: قلت:

كأن ظلامة أخت شيبان … يتيمة ووالداها حيان

الرأس قمل كله وصئبان … وليس في الرجلين إلا خيطان

فهي التي يذعر منها الشيطان

قال: فقال هشام: يا غلام ، ما فعلت بالدنانير المختومة التي أمرتك بقبضها؟ قال: ها هي عندي، ووزنها خمسمائة، قال: فادفعها إلى أبي النجم ليجعلها في رجلي ظلامة مكان الخيطين، أفلا تراه قال:

فهث التي يذعر منها الشيطان

وإن لم يره، لما قرر فيالقلوب من نكارته وشناعته! وقال آخر:

وفي البقل إن لم يدفع الله شره … شياطين يعدو بعضهن على بعض

وزعم أهل اللغة أن كل متمرد من جن أو إنس أو سبع أو حية يقال له شيطان، وأن قولهم: تشيطن إنما معناه تخبث وتنكر، وقد قال الله جل وعز: " شياطين الإنس والجن " " الأنعام: 112 " قال الراجز:

أبصرتها تلتهم الثعبانا … شيطانة تزوجت شيطانا

وقال امرؤ القيس:

أتوعدني والمشرفي مضاجعي … ومسنونة زرق كأنياب أغوال!

والغول: لم يخبر صادق قط أنه رآها.

ثم نرجع إلى تفسير شعر أبي النجم .

قوله:

سبي الحماة وابهتي عليها

إنما يريد: ابهتيها، فوضع ابهتي في موضع اكذبي فمن ثم وصلها بعلى.

٢١٤ / ٣٣٦