الكامل في اللغة والأدب محمد بن يزيد المبرد

من أخبار ذوي الحلم

الجزء ١ · صفحة ٢١٠

فلا تقربن أمر الصريمة بامرئ … إذا رام أمراً عوقته عواذله

وقل للفؤاد إن ترى بك نزوة … من الروع أفرخ أكثر الروع باطله

الصريمة: العزيمة.

وقد امتنع قوم من الجواب تنبلاً، ومواضعهم تنبئ عن ذلك، وامتنع قوم عياً بلا اعتلال، وامتنع قوم عجزاً ، واعتلوا بكرهة السفه، وبعضهم معتل برفعة نفسه عن خصمه، وبعضهم كان يسبه الرجل الركيك من العشيرة فيعرض عنه ويسب سيد قومه، وكانت الجاهلية ربما فعلته تقى الذحول ، قال الراجز:

إن بجيلاً كلما هجاني … ملت على الأغطش أو أبان

أو طلحة الخير فتى الفتيان … أولاك قوم شأنهم كشاني

ما بلت من أعراضهم كفاني … وإن سكت عرفوا إحساني

وقال أحد المحدثين:

إني إذا هو كلب الحي قلت له … إسلم، وربك مخنوق على الجرر

قوله: إسلم فاستأنف بألف الوصل، لأن النصف الأول موقوف عليه.

قال الشاعر:

ولا يبادر في الشتاء وليدنا … القدر ينزلها بغير جعال

الجعال: الذي تنزل به البرمة، وربما توقيت به حرارتها.

قال الراجز:

لا نسب اليوم ولا خلة … إتسع الخرق على الراقع

وهذا كثير غير معيب.

وفي مثل اختيار النبيل لتكافؤ الأغراض قول الأخطل:

شفى النفس قتلى من سليم وعامر … ولم يشفها قتلى غني ولا جسر

ولا جشم شر القبائل إنها … كبيض القطا ليسوا بسود ولا حمر

ولو ببني ذبيان بلت رماحنا … لقرت بهم عيني وباء بهم وتري

وقال رجل من المحدثين، وهو حمدان بن بان اللاحقي:

أليس من الكبائر أن وغداً … لآل معذل يهجو سدوسا

هجا عرضاً لهم غضاً جديداً … وأهدف عرض والده اللبيسا

وقال آخر:

اللؤم أكرم من وبر ووالده … واللؤم أكرم من وبر وما ولدا

قوم إذا جر جاني قومهم أمنوا … من لؤم أحسابهم أن يقتلوا قودا

اللؤم داء لوبر يقتلون به … لا يقتلون بداء غيره أبدا

وقال رجل من المحدثين :

أما الهجاء فدق عرضك دونه … والمدح عنك كما علمت جليل

فاذهب فأنت طليق عرضك إنه … عرض عززت به وأنت ذليل

وقال آخر:

نبئت كلباً هاب رميي له … ينبحني من موضع نائي

لو كنت من شيء هجوناك أو … لو بنت للسامع والرائي

فعد عن شتمي فإني امرؤ … حلمني قلة أكفائي

وقال آخر :

فلو أني بليت بهاشمي … خؤولته بنو عبد المدان

صبرت على عداوته ولكن … تعالي فانظري بمن ابتلاني

من أخبار ذوي الحلم

ووقف رجل عليه مقطعات على الأحنف بن قيس يسبه - وكان عمرو بن الأهتم جعل له ألف درهم على أن يسفه الأحنف - فجعل لا يألوا أن يسبه سباً يغضب، والأحنف مطرق لا يكلمه ، فلما رآه لا يكلمه أقبل الرجل يعض إبهامه ، ويقول: يا سوأتاه! والله ما يمنعه من جوابي إلا هواني عليه!.

وفعل ذلك آخر، فأمسك عنه الأحنف، فأكثر الرجل، إلى أن أراد الأحنف القيام للغداء؛ فأقبل على الرجل، فقال له: يا هذا! إن غداءنا قد حضر، فانهض بنا إليه إن شئت، فإنك مذ اليوم تحدر بجمل ثفال.

والثفال من الإبل: البطيء الثقي الذي لا يكاد ينبعث.

وعدت على الأحنف سقطة في هذا الباب، وهو أن عمرو بن الأهم دس عليه رجلاً ليسفهه. فقال له: يا أبا بحر ، ما كان أبوك في قومه؟ قال: كان من أوسطهم، لم يسدهم، ولم يتخلف عنهم، فرجع إليه ثانية، ففطن الأحنف أنه من قبل عمرو، فقال: ما كان مال أبيك؟ فقال: كانت له صرم يمنح منها ويقري، ولم يك أهتم سلاحاً .

وجعل لرجل ألف درهم على أن يسأل عمرو بن العاص عن أمه - ولم تكن في موضع مرضي إنما كانت من عنزة، ثم من بني جلان - فأتاه الرجل، وهو بمصر أميراً عليهم، فقال: أردت أن أعرف أم الأمير. فقال: نعم، كان امرأة ، من عنزة، ثم من بني جلان، تسمى ليلى، وتلقت النابغة، إذهب فخذ ما جعل لك.

٢١٠ / ٣٣٦