من أخبار ذوي الحلم
الجزء ١ · صفحة ٢١٠فلا تقربن أمر الصريمة بامرئ … إذا رام أمراً عوقته عواذله
وقل للفؤاد إن ترى بك نزوة … من الروع أفرخ أكثر الروع باطله
الصريمة: العزيمة.
وقد امتنع قوم من الجواب تنبلاً، ومواضعهم تنبئ عن ذلك، وامتنع قوم عياً بلا اعتلال، وامتنع قوم عجزاً ، واعتلوا بكرهة السفه، وبعضهم معتل برفعة نفسه عن خصمه، وبعضهم كان يسبه الرجل الركيك من العشيرة فيعرض عنه ويسب سيد قومه، وكانت الجاهلية ربما فعلته تقى الذحول ، قال الراجز:
إن بجيلاً كلما هجاني … ملت على الأغطش أو أبان
أو طلحة الخير فتى الفتيان … أولاك قوم شأنهم كشاني
ما بلت من أعراضهم كفاني … وإن سكت عرفوا إحساني
وقال أحد المحدثين:
إني إذا هو كلب الحي قلت له … إسلم، وربك مخنوق على الجرر
قوله: إسلم فاستأنف بألف الوصل، لأن النصف الأول موقوف عليه.
قال الشاعر:
ولا يبادر في الشتاء وليدنا … القدر ينزلها بغير جعال
الجعال: الذي تنزل به البرمة، وربما توقيت به حرارتها.
قال الراجز:
لا نسب اليوم ولا خلة … إتسع الخرق على الراقع
وهذا كثير غير معيب.
وفي مثل اختيار النبيل لتكافؤ الأغراض قول الأخطل:
شفى النفس قتلى من سليم وعامر … ولم يشفها قتلى غني ولا جسر
ولا جشم شر القبائل إنها … كبيض القطا ليسوا بسود ولا حمر
ولو ببني ذبيان بلت رماحنا … لقرت بهم عيني وباء بهم وتري
وقال رجل من المحدثين، وهو حمدان بن بان اللاحقي:
أليس من الكبائر أن وغداً … لآل معذل يهجو سدوسا
هجا عرضاً لهم غضاً جديداً … وأهدف عرض والده اللبيسا
وقال آخر:
اللؤم أكرم من وبر ووالده … واللؤم أكرم من وبر وما ولدا
قوم إذا جر جاني قومهم أمنوا … من لؤم أحسابهم أن يقتلوا قودا
اللؤم داء لوبر يقتلون به … لا يقتلون بداء غيره أبدا
وقال رجل من المحدثين :
أما الهجاء فدق عرضك دونه … والمدح عنك كما علمت جليل
فاذهب فأنت طليق عرضك إنه … عرض عززت به وأنت ذليل
وقال آخر:
نبئت كلباً هاب رميي له … ينبحني من موضع نائي
لو كنت من شيء هجوناك أو … لو بنت للسامع والرائي
فعد عن شتمي فإني امرؤ … حلمني قلة أكفائي
وقال آخر :
فلو أني بليت بهاشمي … خؤولته بنو عبد المدان
صبرت على عداوته ولكن … تعالي فانظري بمن ابتلاني
من أخبار ذوي الحلم
ووقف رجل عليه مقطعات على الأحنف بن قيس يسبه - وكان عمرو بن الأهتم جعل له ألف درهم على أن يسفه الأحنف - فجعل لا يألوا أن يسبه سباً يغضب، والأحنف مطرق لا يكلمه ، فلما رآه لا يكلمه أقبل الرجل يعض إبهامه ، ويقول: يا سوأتاه! والله ما يمنعه من جوابي إلا هواني عليه!.
وفعل ذلك آخر، فأمسك عنه الأحنف، فأكثر الرجل، إلى أن أراد الأحنف القيام للغداء؛ فأقبل على الرجل، فقال له: يا هذا! إن غداءنا قد حضر، فانهض بنا إليه إن شئت، فإنك مذ اليوم تحدر بجمل ثفال.
والثفال من الإبل: البطيء الثقي الذي لا يكاد ينبعث.
وعدت على الأحنف سقطة في هذا الباب، وهو أن عمرو بن الأهم دس عليه رجلاً ليسفهه. فقال له: يا أبا بحر ، ما كان أبوك في قومه؟ قال: كان من أوسطهم، لم يسدهم، ولم يتخلف عنهم، فرجع إليه ثانية، ففطن الأحنف أنه من قبل عمرو، فقال: ما كان مال أبيك؟ فقال: كانت له صرم يمنح منها ويقري، ولم يك أهتم سلاحاً .
وجعل لرجل ألف درهم على أن يسأل عمرو بن العاص عن أمه - ولم تكن في موضع مرضي إنما كانت من عنزة، ثم من بني جلان - فأتاه الرجل، وهو بمصر أميراً عليهم، فقال: أردت أن أعرف أم الأمير. فقال: نعم، كان امرأة ، من عنزة، ثم من بني جلان، تسمى ليلى، وتلقت النابغة، إذهب فخذ ما جعل لك.