الكامل في اللغة والأدب محمد بن يزيد المبرد

الفرزدق عند هروب ابن هبيرة من سجنه

الجزء ١ · صفحة ٢١٢

قوله: لست بالطبع الحريص. فالطبع: الشديد الطمع الذي لا يفهم لشدة طمعه. وإنما أخذ هذا من طبع السيف، يقال: طبع السيف. يا فتى! وهو سيف طبع، إذا ركبه الصدأ حتى يغطي عليه. والمثل من هذا في الذي طبع على قلبه وإنما هو تغطية وحجاب. يقال: طبع الله على قلب فلان. كما قال جل وعز: " ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم " هذا الوقف. ثم قال: " وعلى أبصارهم غشاوة " " البقرة: 7 " وكذلك: رين على قلبه. وغين على قلبه؛ فالرين يكون من أشياء تألف عليه فتغطيه. قال الله جل وعز: " كلا بل ران قلوبهم ما كانوا يكسبون " " المطففين: 14 " . وأما غين على قلبه. فهي غشاوة تعتريه، والغينة: القطعة من الشجر الملتف تغطي ما تحتها، قال الشاعر:

كأني بين خافيتي عقاب … أصاب حمامة في يوم غين

وقال بعضهم: أراد في التفاف من الظلمة. وقال آخرون: أراد في يوم غيم، فأبدل من الميم نوناً، لاجتماع الميم والنون في الغنة. كما يقال للحية: أيم، وأين، واستجازت الشعراء أن تجمع الميم والنون في القوافي، لما ذكرت لك من اجتماعهما في الغنة. قال الراجز:

بني إن البر شيء هين … ألمنطق اللين والطعيم

وقال آخر :

ما تنقم الحرب العوان مني … بازل عامين حديث سني

لمثل هذا ولدتني أمي

والعراقان: البصرة والكوفة. والرافدان: دجلة والفرات.

وقوله: أحذ يد القميص، الأحد: الخفيف. قال طرقة:

وأتلع نهاض أحد ململم

وإنما نسبه بالخفة في يده إلى السرقة .

وقوله: تفهق أي امتلأ مالاً . يقال: بئر تفهق وغدير يفهق إذا امتلأ ماء. قال الراجز:

لا ذنب لي قد قلت للقوم استقوا … والقوم في عرض غدير يفهق

وقال الأعشى فيمدحه المحلق بن حنتم. أحد بني أبي بكر بن كلاب:

نفى الذم عن رهط المحلق جفنة … كجابية الشيخ العراقي تفهق

هكذا في رواية أبي عبيدة.

وقوله:

ولم يك قبلها راعي مخاض … ليأمنه على وركي قلوص

كانت بنو فزارة ترمى بغشيان الإبل. ولذلك قال ابن دارة:

لا تأمنن فزاريا خلوت به … على قلوصك واكتبها بأسيار

للفرزدق أيضاً في حبس عمر بن هبيرة

فلما عزل ابن هبيرة وحبسه خالد بن عبد الله القسري. قال الفرزدق:

لعمري لئن نابت فزارة نوبة … لمن حدث الأيام تحسبها قسر

لقد حبس القسري في سجن واسط … فتى شيظميا ما ينهنهه الزجر

فتى لم ترببه النصارى لم يكن … غذاء له لحم الخنازير والخمر

قوله: فتى شيظيماً ، الشيظمي: الطويل. قال ذو الرمة.

إذا ما رمينا رمية في مفازة … عراقيبها بالشيظمي المواشك

يريد حادياً يسوقها.

وقوله: ما ينهنهه الزجر. يقول: ما يحركه.

وقوله: فتى لم ترببه النصارى ينبه به على أم خالد، وكانت نصرانية رومية، وكان أبوه استلبها في يوم عيد للروم، فأولادها خالداً وأسداً. ولذلك يقول الفرزدق:

ألا قطع الرحمن ظهر مطية … أتتنا تهادى من دمشق بخالد

وكيف يؤم الناس من كانت أمه … تدين بأن الله ليس بواحد!

بنى بيعة فيها النصارى لأمه … ويهدم من كفر منار المساجد

وقال:

عليك أمير المؤمنين بخالد … وأصحابه لا طهر الله خالدا

بنى بيعة فيها الصليب لأمه … ويهدم من بغض الصلاة المساجدا

وكان سبب هدم خالد منار المساجد حتى حطها عن دور الناس أنه بلغه شعر لرجل من الموالي، موالي الأنصار، وهو:

ليتني في المؤذنين حياتي … إنهم يبصرون من في السطوح

فيشيرون أو تشير إليهم … بالهوى كل ذات دل مليح

فحطها عن دور الناس.

ويروى عنه فيما روي من عتوه أنه استعفي من بيعة بناها لأمه. فقال لملأ من المسلمين: قبح الله دينهم، إن كان شراً من دينكم!

الفرزدق عند هروب ابن هبيرة من سجنه

وقال الفرزدق لابن هبيرة حين نقب له السجن وهرب، فسار تحت الأرض هو وابنه حتى نفذا :

لما رأيت الأرض قد سد ظهرها … ولم يبق إلا بطنها لك مخرجا

٢١٢ / ٣٣٦