طرائف من تشبيهات المحدثين
الجزء ١ · صفحة ٢٢٣أرى فيك من خرقاء يا ظبية اللوى … مشابه جنبت اعتلاق الحبائل
فعيناك عيناها وجيدك جيدها … ولونك إلا أنها غير عاطل
وقال آخر :
فلم ترعيني مثل سرب رأيته … خرجن علينا من زقاق ابن واقف
طلعن بأعناق الظباء أعين ال … جآذر وامتدت بهن الروادف
ويقال للخطيب: كأن لسانه مبرد. فهذا الجاري في الكلام، كما يقال للطويل: كأنه رمح. ويقال للمهتز للكرم: كأنه غصن تحت بارح.
ومن عجيب التشبيه قول القائل:
لعينك يوم البين أسرع واكفاً … من الفنن الممطور وهو مروح
وذاك أن الغصن يقع المطر في ورقه فيصير منها في مثل المداهن، فإذا هبت به الريح لم تلبثه أن تقطره.
طرائف من تشبيهات المحدثين
ثم نذكر بعد هذا طرائف من تشبيه المحدثين وملاحاتهم، فقد شرطناه في أول الباب، إن شاء الله.
قال أبو العباس: ومن أكثرهم تشبيهاً، لاتساعه في القول، وكثرة ثقبه ، واتساع مذهبه الحسن بن هانئ، قال في مديحه الفضل بن يحيى بن خالد بن برمك:
وكنا إذا ما الحائن الجد غره … سنا برق غاو أو ضجيج رعاد
تردى له الفضل بن يحيى بن خالد … بماضي الظبا أزهاه طول نجاد
أما خميس أرجوان كأنه … قميص محوك من قناً وجياد
فما هو إلا الدهر يأتي بصرفه … على كل من يشقى به ويعادي
قوله: الحائن الجد يقال: حان الرجل، إذا دنا موته، ويقال: رجل حائن، والمصدر الحين. والجد: الحظ، والجد والجدة، مفتوحان، فإذا أردت المصدر من جددت في الأمر، قلت: أجد جداً مكسور الجيم، ويقال: جددت النخل أجده جداً وجداداً إذا صرمته. ويقال: جذذته جذاً. وتركت الشيء جذاذاً، إذا قطعته قعاً. ويروى هذا البيت لجرير على وجهين:
آل المهلب جذ الله دابرهم … أضحوا رماداً فلا أصل ولا طرف
ويروى جد، وقرأ بعض القراء: " عطاء غير مجذوذ " " هود: 108 " فأما قوله: " فجعلهم جذاذاً " " الأنبياء: 58 " فلم يقرأ بغيره. ويقال: كم جذاذ نخلك. أي كم تصرم منها. ويروى من قول الله جل وعز: " وأنه تعالى جد ربنا " " الجن: 3 " عن أنس بن مالك: " غنى ربنا " . وقرأ سعيد بن جبير: " جدا ربنا " . ولو قرأ قارئ " جدا ربنا " على معنا: جد ربنا لم يقرأ به لتغير الخط، وكذا قراءة سعيد مخالفة الخط .
وهذا الشعر ينشد بالكسر:
أجدك لم تغتمض ليلة … فترقدها مع رقادها
ومثله :
أجدك لم تسمع وصاة محمد … رسول الإله حين أوصى وأشهدا
لأن معناه أجداً منك، على التوقيف، وتقديره في النصب: أتجد جداً، و يقال: امرأة جداء، إذا كانت لا ثدي لها، فكأنه قطع منها، لأن أصل الجد القطع، ويقال: بلدة جداء، إذا لم تكن بها مياه. قال الشاعر:
وجداء ما يرجى بها ذو هوادة … لعرف ولا يخشى السماة ربيبها
القرابة والهوادة في المعنى واحدة. قال أبو الحسن: السماة هم الصادة نصف النهار، وروي عن بعض أصحابنا، عن المازني قال: إنما سمي سامياً بالمسماة، وهو خف يلبسه لئلا يسمع الوحض وطأه، وهو عندي من سما للصيد.
ينشد هذا البيت:
أبى حبي سليمى أن يبيدا … وأصبح حبلها خلقاً جديد
يقول: أصبح خلقاً مقطوعاً، لأن جديداً في معنى مجدود أي مقطوع، كما تقول: قتيل ومقتول وجريح ومجروح.
ويقال في غير هذا المعنى: رجل مجدود، إذا كان ذا خطر وحط ، وفي الدعاء " ولا ينفع ذا الجد منك الجد " ، أي من كان له حظ في دنياه لم يدفع ذلك عنه ما يريد الله به. ولو قال قائل: ولا ينفع ذا الجد منك الجد - يريد الاجتهاد - لكان وجهاً.
وقوله: سنا برق غاو والسنا: من الضياء مقصور. قال الله جل وعز: " يكاد سنا برقه يذهب بالأبصار " " النور: 43 " . والسناء: من المجد ممدود. وقال الشاعر:
وهم قوم كرام الحي طراً … لهم خول إذا ذكر السناء
وضربه الحسن ههنا مثلاً وجمع الرعد فقال: رعاد، كقولك: كلب وكلاب، وكعب وكعاب.
وقوله: بماضي الظبي. ظبة كل شيء حده، يقال: وخزه بظبة السيف، يراد بذلك حد طرفه.