الكامل في اللغة والأدب محمد بن يزيد المبرد

لصخر بن عمرو بن الشريد

الجزء ١ · صفحة ٥٢

فإنما أراد السياط، وجمع جديدٍ جددٌ، وكذلك باب " فعيل " الذي هو اسم، أو مضارع للاسم، نحو قضيب وقضيب، ورغيفٍ ورغفٍ، وكذلك سرير وسررٌ وجديدٌ وجددٌ، لأنه يجري مجرى الأسماء، وجريرٌ وجررٌ، فما كان من المضاعف جاز فيه خاصةً أن تبدل من ضمته فتحة لأن التضعيف مستثقلٌ، والفتحة أخف من الضمة، فيجوز أن يمال إليها استخفافاً، فيقال: جددٌ وسررٌ، ولا يجوز هذا في مثل قضيب لأنه ليس بمضاعفٍ، وقد قرأ بعض القراء: " على سررٍ موضونةٍ " الواقعة 15، ويقال للسوط: الأصبحي، ينسب إلى ذي أصبح الحميري، وكان أول من اتخذ هذه السياط التي يعاقب بها السلطان، ويقال له: العرفاص والقطيع. وقال الشماخ:

تكاد تطير من رأي القطيع

وقال الصلتان العبدي: ؟أرى أمةً شهرت سيفها وقد زيد في سوطها الأصبحي وقال الراعي:

أخذوا العريف فقطعوا حيزومه … بالأصبحية قائما ًمغلولا

وقال الراجز:

حتى تردى طرف العرفاص

وقوله: " ولا جابت به بلدا " ، يقول: ولا قطعت به، يقال: جبت البلاد، وقال الله عز وجل: " وثمود الذين جابوا الصخر بالواد " الفجر9. ويقال: رجل جواب جوالٌ. وأنشدني علي بن عبد الله، قال: أنشدني القحذمي:

ما من أتت من دون مولده … خمسون بالمغدور بالجهل

فإذا مضت خمسون عن رجلٍ … ترك الصبا ومشى على رسل

وأمر مصعب بن الزبير رجلاً من بني أسد بن خزيمة بقتل مرة بن محكان السعدي، فقال مرة في ذلك:

بني أسد إن تقتلوني تحاربوا … تميماً إذا الحرب العوان اشمعلت

ولست وإن كانت إلي حبيبةً … بباكٍ على الدنيا إذا ما تولت

قوله: " إذا الحرب العوان " فهي التي تكون بعد حربٍ قد كانت قبلها، وكذلك أصل العوان في المرأة إنما هي التي قد تزوجت، ثم عاودت فخرجت عن حد البكر، وقول الله عز وجل في كتابه العزيز: " لا فارضٌ ولا بكر " البقرة68 هو تمام الكلام، ثم استأنف فقال: " عوان بين ذلك " البقرة 68 والفارض ههنا: المسنة، والبكر الصغيرة، ويقال: لهاةٌ فارضٌ أي واسعة، وفرض القوس موضع معقد الوتر، وكل حز فرضٌ، والفرضة متطرقٌ إلى النهر، قال الراجز:

لها زجاجٌ ولهاة فارض

وقوله " اشمعلت، إنما هو ثارت فأسرعت، قال الشماخ:

رب ابن عم لسيلمى مشمعل … أروع في السفر وفي الحي غزل

طباخ ساعات الكرى زاد الكسل

وقوله:

ولست وإن كانت إلي حبيبةٍ … بباكٍ على الدنيا........

إنما هو تفديم وتأخير، أراد: ولست بباكٍ على الدنيا وإن كانت إلي حبيبة. ولولا هذا التقدير لم يجز أن يضمر قبل الذكر، ومثله:

إن تلق يوماً على علاته هرماً … تلق السماحة منه والندى خلقا

وكذلك قول حسان بن ثابت:

قد ثكلت أمه من كنت واحدة … أو كان منتسباً في برثن الأسد

ويقول: من كنت واحده قد ثكلت أمه، وكذلك:

شر يوميها وأخزاه لها … ركبت هندٌ بحدجٍ جملا

يقول: ركبت هند بحدج جملا في شر يوميها، وقال رجل من مزينة:

خليلي بالبوباة عوجا فلا أرى … بها منزلاً إلا جديب المقيد

نذق برد نجدٍ بعد ما لعبت بنا … تهامة في حمامها المتوقد

قوله: " بالبوباة " ، فهي المتسع من الأرض، وبعضهم يقول: هي الموماة بعينها، قلبت الميم باء لأنهما من ااشفة، ومثل ذلك كثير، يقولون: ما اسمك وبا اسمك؟ ويقولون: ضربة لازم ولازب، ويقولون: هذا ظأمي وظأبي، يعنون السلف، قال أبو الحسن: الجيد سلف، وما قال ليس بممتنع، ويقولون: زكبة سوءٍ وزكمة سوءٍ،أي ولد سوء ويقولون: عجم الذنب وعجب الذنب، ويقولون: رجل أخرم و أخرب، وهذا كثير. وقال عمر بن أبي ربيعة:

عوجا نحيي الطلل المحولا … والربع من أسماء والمنزلا

بجانب البوباة لم نعده … تقادم العهد بأن يؤهلا

وقوله: " إلا جديب المقيد " ، يقال: بلد جدبٌ وجديبٌ، وخصب وخصيب، والأصل في النعت خصيبٌ ومخصبٌ، وجديبٌ ومجدب، والخصب والجدب إنما هما ما حل فيه، وقيل: خصيبٌ وأنت تريد مخصب، وجديبٌ وأنت تريد مجدبٌ، كقولك: عذاب أليم وأنت تريده مؤلم، قال ذو الرمة:

ونرفع من صدور شمردلاتٍ … يصك وجوهها وهج أليم

٥٢ / ٣٣٦