كتاب الاستقامة، الجزء الثالث محمد بن سعيد بن محمد الناعبي الكدمي أبو سعيد

باب القول في تحريم الخنزير

الجزء ٣ · صفحة ١٠٠

ثم نقول لهم : عليكم أن تقبضوه منه ، وأنتم أولى به منه إذا طب أن تقبضوه منه ، لأنه ليس عليه في الأصل أن يقبضه . وإنما أحببنا له ذلك لئلا يبرؤوا منه بالإجماع ، ويصير ماله إليه ، ثم إن رده عليكم طيبة بذلك نفسه فهو لكم ، وليس عليه على كل حال أن يصدقهم فيما يقولون ، لأنهم مدعون عليه ، والمدعي لا يقبل قوله ولو كان من الصادقين في ادعائه ، وليس لهم أن يتركوا ولايته على ذلك ويعنفوه ، إذا لم يقبل منهم ذلك ، وهم بهذه المنزلة معه من المسلمين ومع المسلمين .

وإن شهد منهم اثنان عليه ، وهو في يده من يد غيره ، أو هو في يد غيره ثم اشتراه بعد ذلك أو صار إليه بوجه من الوجوه ، وقد شهدا على حرمته وهو بالحجة فيهما عارف ، كان ذلك حجة عليه ، ولم يسعه إلا قبول ذلك منهما ، وكان محجوجا إذا كان في موضع الشاهدين ، ولما أن كانوا كلهم في موضع المدعين ، كانوا كلهم حجة في الدين مع الله - تبارك وتعالى - ، ولا في ظاهر الأمر مع المسلمين ، هذا ما لا نعلم فيه اختلافا بين أحد من علماء المسلمين .

فإن قال قائل من المتعنتين أو من العماة أو من الملبسين : فكيف اختلف الحكم في الحرام وهو في الأصل عند الله حرام ؟ فكان مباحا إذا صار لحما طوائف ، ولو كان في الأصل جاهله ممن يعرف عينه ويعرف حرمته ، فلما أن جهله وسعه جهله ، والجاهل له ولجنسه وبعينه وحرمته لا يسعه ذلك إذا جهل عينه إذا كان قائم العين والجنس ؟

قلنا له : لأن الله -تبارك وتعالى-حرم ذلك بعينه على من علمه وعلى من جهله ، ولو كان الجاهل للحرام يسعه ركوبه لجهله لكان الجهل أوسع من العلم ، ومحال ذلك أن يكون الجهل أوسع من العلم ، فلما أن كان محجورا على من علم جنسه وعينه ، كان محجورا على من جهل جنسه وعينه .

ويقال له : أتقول إن الله إنما حرمه على من علمه أو جهله ؟

فإن قال : حرمه الله على من علمه أو جهله فقد أقر بالصواب في ذلك ولا مخرج له في ذلك .

١٠٠ / ٢٧٧