باب القول في تحريم الخنزير
الجزء ٣ · صفحة ١٠٤فصل : قلنا له: فلم يتعبد الله تبارك وتعالى العباد فيما ألزمهم من الكلفة بم يعلمه من المغيبات من علمه وإنما تعبدهم بما يدركون علمه بالدلالة من غيره فيه وبما تكون الحرمة متعلقة فيه ، وغير مفارقة له من دلائله بالعين أو الصفة من المحرمات وقال تبارك وتعالى ( اليوم أحل لكم الطيبات وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم وطعامهم حل لهم )، فأجمعت الأمة بأسرها لا نعلم بينهم اختلافا أن الطعام هاهنا هو اللحوم من أيدي أهل الكتاب ومن ذبائحهم وأنهم مأمونون على ذلك وجائز من عندهم شراء اللحوم وهم يستحلون الخنزير في أصل ما يدينون به ، وأجمعت على ذلك الأمة أن اللحوم من يدي أهل الصلاة ، وأيدي أهل الكتاب مباحة غير محجورة ، وأنه لا دليل فيها على الحرمة منها ، لمن علم الخنزير والميتة أو لم يعلمها ، فلما أن وقعت الإباحة من الله -تبارك وتعالى - من كتابه ، على إحلال اللحوم من أيدي أهل الكتاب .
وأجمعت على ذلك الأمة بأسرها ، لا نعلم بينهم في ذلك اختلافا ، وثبت تحريم الميتة والدم ولحم الخنزير ، وجميع ما تلا الله عليهم إلى قوله : ( ذلكم فسق )، بالإجماع من الأمة وحكم الكتاب والسنة ، وأن ذلك ثابت غير منسوخ ، صح في العقول مع ثبوت السنن جميعا أن الحرمة إنما وقعت متعلقة على من جهلها أو علمها في نجس المحرم ، لا في المباح الذي لا يدرك بصفة يفرق فيه عن غيره ، لأنه لو وقف العالمون بالخنزير على لحم الخنزير لم يعرفوا ذلك بالعين فيميزوا ذلك بالعلم بين ذلك من الخنزير والأنعام ، فلما لم يستطع ذلك ووقع بالإجماع على تحريم الخنزير بالتسمية ، ووقعت الإباحة للحوم بالكتاب والسنة والإجماع من أيدي أهل القبلة وأهل الإقرار من الموحدين ، صح بأن الحجر إنما وقع على الصفة ، وأن الصفة لا تدرك إلا بالعين ، وأن العين محجورة على من جهل أو علم ، ولا يجوز أن تباح لمن لم يعلم إذا كان يدرك العلم فيها من غيره .