باب القول في تحريم الخنزير
الجزء ٣ · صفحة ١٠٦قلنا له : نعم إذا لم تكن العين تشهد بالحلال على ذاتها ، وتشهد بالحرام على ذاتها ، وكان ذلك قد غابت عنه العين التي يعرف بها إلى حال لا يعرف بها من غيره من المباحات ، كان قول من هو في يده حجة على من قال له ذلك ، وكان المقدم على ذلك مقدما على الباطل هالك بذلك ، وكان السائل لذلك هالكا بكذبه ، فإن أكله أكل حلالا ، لا يحرم عليه ذلك بقوله إنه لحم خنزير ولا ميتة ولا مسروق ، ولكن يحرم عليه الكذب الذي كذبه بغير الحق والحجة منه تقوم على ما في يده على من أقر بذلك معه ممن غاب عنه عالم ذلك ، وأما من علم كذبه وعلم أن ذلك لحم ذكي من الحلال المباحات من الأنعام أو غيرها من الصيد الحلال ، فلا يكون ذلك حجة عليه وهو له حلال ، إذا وصل إليه من يده بوجه حلال ، من البيع أو الهبة أو غير ذلك ، وذلك لا يحرمه على من عرف أصله كما لا يحله ، وإن كانت العين قد غابت منه قوله إنه حلال ، إذا كان الذي قد قال له ذلك ، قد علم أنه حرام في الأصل ، فقوله إنه حرام عند من عرف أنه حلال لا يحرم ذلك عليه ، وقوله إنه حلال عند من عرف أنه حرام لا ينفعه ذلك ، وهو على أصل الحرام الذي قد عرف العارف بذلك ، وإنما يكون حجة في قوله إنه حرام على من لم يعرف أصل ذلك ما هو ، وهو غائب العين التي تشهد عليه بالحلال وبالحرام .
فإن قال : فلم قلتم إنه إذا قال إنه حرام من لحم خنزير أو ميتة أو غير ذلك من الحرام فأكله أكلا وتولى من أكله أو اشتراه ، كان هالكا بولايته لمن أكله ولمن اشتراه ولا نعلم ، فلعله عالم الذي أكله أنه حلال ، فلا يكون قوله إنه حرام حجة عليه ، وقد يحتمل صوابه فيما زعمتم أنه لا يبرأ ممن يحتمل صوابه ، وأن ولايته جائزة ما دام له مخرجا من مخارج الحق .
وقد يحتمل أن يكون هذا الذي أكله واشتراه منه بعد أن أقر أنه حرام يعلم أنه حلال .