باب القول في الميتة والتذكية والذبائح وغير ذلك
الجزء ٣ · صفحة ١١٣فإن قال قائل : فما الفرق في هذا وهو قد وضع السكين أو الشفرة عليها للنحر أو الذبح وهي حية ، ولم يعلم أنها ماتت قبل ذلك إلا أنها لم تتحرك بعد النحر أو الذبح وهي حية ، وكذلك هذه الصحيحة ، وكذلك إنما علمه بحياتها كعلمه بحياة هذه ، فما الفرق بينهما فينبغي أن يكونا كلاهما في الحياة والموت سواء ، بما تكون به هذه ميتة تكون به هذه مثلها ، وما تكون به هذه حية تكون هذه مثلها.
قلنا له : ليستا سواء معنا ، لأن هذه قد تقدم إليها أسباب الموت ، الذي قد خيف منه عليها ، وإنما ذبحت ليدرك ذكاتها ، والأغلب من أمورها - أنها لو تركت لماتت في المتعارف منها ، وإن كان الله - تبارك وتعالى - يحيي الموتى و يفعل ما يشاء ، لا يسأل عما يفعل ، فالأمور بالأغلب منها والعام منها حتى يصح مخصوصها ، وهذه الأغلب منها إنما تموت بغير ذبح ، وهذه الأغلب من أمورها والعام أنها لا تموت إلا بالذبح ، في حال صحتها تلك وسلامتها وهذا ما لا تنكره العقول .
ولسنا نحكم عليها بموت أنها ماتت قبل فراغ الذكاة للأغلب من أمورها أنها تموت قبل الذكاة ، والأشياء معنا كلهن بالأغلب منها ، وهو المحكوم به فيها حتى يصح المخصوص من ذلك ، فحكمنا للصحيحة الذكاة ، لأن ذلك الأغلب ، من أحوالها وأمورها ، والمعقول أنها إنما ماتت بذلك الذبح أو ذلك النحر ، ولم نوسع لأنفسنا أن نحكم لهذه بذكاة للأغلب من أحوالها وأمورها ، أنها تموت في عامة أحوالها من تلك العلل بغير ذكاة ، وإنما بتدارك ذكاتها تلافيا من الأحوال ، وإلا فعامة أحوالها الذهاب بغير ذكاة ، والخاص من الأمور أن تموت الصحيحة من البهائم بغير علة تتقدم لها ، مما ذكرنا أو غيره بغير ذبح ، فمن هنالك لم نوسع لأنفسنا بالحكم عليها بالموت للأغلب من أمورها وأحوالها .