كتاب الاستقامة، الجزء الثالث محمد بن سعيد بن محمد الناعبي الكدمي أبو سعيد

باب القول في الدماء وتصنيفها

الجزء ٣ · صفحة ١٦٥

فصل : وأما إذا غاب عنه الأصل الذي جاء منه ذلك الدم الذي وقف عليه وبلي به ، ولم يعرف ذلك الدم ما هو من الدماء ، أهي من الدماء المحرمة بالدين بلا اختلاف ، أو من الدماء المختلف فيها بالتحليل والتحريم ، أو من الدماء المباحة المحللة من دم اللحم الخالص ، ودم السمك ولم يعرف ذلك ، ولا وقف على أصله الذي خرج منه وجاء منه ، وإنما وجده دما قائم العين ، لا يعرف ما هو، ففي الأصل أن الدم محرم محجور ، إلا ما استثني منه وخرج منه ، إذا كان قائما بعينه في ذاته ، وأما التعبد به هو في ذات نفسه ، فالدم محجور لا يجوز الإقدام عليه في الأصل ، حتى يعلم أنه من الدماء المحللة بالاجماع ، والمختلف فيها بالتحليل والتحريم ، ولا يبين لنا أنه لاحتمال الحلال من ذلك والحرام ، إذا وقف عليه فلم يعلم أحلال هو أم حرام ، أن يجوز الإقدام عليه بغير حجة أنه مشكوك ، والتعبد في المشكوكات الوقوف عنها ، حتى يعلم صوابها من خطئها ، وحقها من باطلها وحلالها من حرامها ، ثم يقدم على علم بعد ذلك ، وهذا هو الأصل في دماء الدواب القائمة منها ، التي لا يحل في غيرها من الطاهرات والمطهرات ، لأن الدماء أصلها حرام محجورة حتى يصح إباحة المباح ، وحلال المحلل منها ، ولا نعلم في ذلك اختلافا ، ولا يبين لنا موضع اختلاف في هدا المعنى والله أعلم .

فصل : فإن ركبه راكب على الجهل بأصله والجهل بالحكم فيه ، على أنه يأتي في ذلك ما أحله الله في دينه في الجملة ، ولم يدن في هذا بعينه بما لا يسعه الدينونة به ، ولا يعتقد فيه ما لا يسعه الاعتقاد له ، فوافق في ذلك دما مباحا بالاجماع أو بالاختلاف ، فقد وافق السلامة ، ولا يبلغ به إلى هلاك في الأصل وهو مقصر في بعض القول ، وعليه التوبة .

١٦٥ / ٢٧٧