باب ذكر النبيذ
الجزء ٣ · صفحة ١٩٨فإذا أدرك تحولها في هذا الإناء ، وشربه هذا الشارب وهوحلال ، وكلما أمكن عذر الراكب بوجه من وجوه الحق ، فلا تحل البراءة منه على هذا الوجه ولا على هذا المعنى ، مما هو فيه مامون عليه في دينه ، كل من كان الحق فيه لله -تبارك وتعالى- ، وليس فيه حق للعباد ولا حجة للعباد ، فإذا وقف على النبيذ المعروف بعينه أنه نبيذ ، وقد علم أنه منبذ في ذلك الإناء الفاسد فيها الشراب ، فهذا هو الموضع الذي لا يسعه جهله ولا جهل ولاية من ركبه ، إذا علم الأصل الذى به يعلم الواقف على عين النبيذ حرمة النبيذ من تحليله ، لأنه ليس بالوقوف على العين ، ممن يعرف عين النبيذ ، ووقوف على تحريم النبميذ من تحليله ، فمن هنالك لم تكن الحجة تقوم على من وقف على عين النبيذ أنه حرام أو حلال ، و أنه لو وقف عليه العالم به أنه حرام مع العلماء بتحريمه ، لم يعرفه أنه حلال أو حرام ، حتى يقف على الأصل الذي به يكون حراما بعينه ، وانما اختلف معنا الدم والنبيذ ، فكان النبيذ مباحا في الأصل ، إذا لم يقف على الأصل الذي يكون به حراما مع العالمين به والعارفين بعينه .
ولا يبلغ من وقف عليهما جميعا إلا بمعرفة الأصل الذي يعرف الحلال منهما من الحرام ، والمباح من المحجور ، لأن الدم في الأصل حرام غير منتقل بفعل من أفعال المخلوقين ، إلى حال غيره ، ولأنه إنما هو حرام بنفسه لا بنية غيره ولا بفعل غيره ، ولأنه لا يقع على الحرام منه أبدا ملك ولا يكون ملكا بيمين ، إلا ما كان قائما في الأنعام المباحة الحلال ، وهو فيها ، فالملك واقع على الأنعام ، لا على ملك الحرام ، فهذا حرام في الأصل ، إلا بعله تلحقه من أفعال الغيرر ، فهو محجور في الأصل لا يحل الإقدام عليه والمقدم عليه ، إذا وافق الحرام المجمع عليه بغير حجة يسعه ، مما ذكرنا من الشهادة ممن يصح بشهادته التصديق على ما يمكن صدقه في دين الله ، فلا مخرج له عندنا من الهلاك وهو معنا هالك .