باب اختلاف الرجلين في التحليل والتحريم
الجزء ٣ · صفحة ٨٢فصل : واذا برىء العالم من المحدث من غير عبارة للجاهل بحكم الحدث ، لم يكن ذلك حجة على الجاهل من فتيا العالم ، وكان على الجاهل أ لا يتولى المحدث بدين ، ولا يبرأ من العالم من أحد ذلك ، ولا يقف عنه برأي ولا بدين ، فان فعل ذلك أو أحد ذلك ، كان محدثا هالكا . وكان عليه الدينونة بالسؤال ، أو قبول الحق في ذلك من جميع من عبر له ذلك من المعبرين .
فإن قال قائل : فكيف السبيل إلى علم ذلك من الجاهل ، إذا كان المختلفان في الدين فقيهين ، ممن شهر فضلهما وعلمهما واستقامتهما فيما مضى من أهل خحلتهما ودينهما ، من أهل المعرفة بهما من أهل الاستقامة من المسلمين ؟
قلنا له : السبيل إلى ذلك واضح ، ينطق به المحق منهما على المبطل منهما ، وليس أوضح من ذلك سبيلا عند من عرف الحق ، إذ ينطق بالحق عالم فقيه أمين ، على ما حمله من علم ما يسع جهل ، إذا نزل العالم مع الجاهل بمنزلة يكون عليه حجة ، فسواء جهل الحجة أو علمها ، فلا يسعه جهل حجة الله .
وإذا لم يكن العالم مع من سمعه ينطق بالحق فيما يسع جهله من دين الله ، وكان جاهلا بمنزلته ، فلا يكون عليه حجة ، ولو كان مثل أبي بكر الصديق وعمر بن الخطاب -رضي الله عنهما- ، إذا لم يعلم منزلمهما في الإسلام ، وصفتهما التي يعرفها العلماء بهما ، فإذا عرف الجاهل من العالم صفة العلم التي يكون عليه حجة بها مع أهل العلم ، كان ذلك حجة عليه ، ولو جهل حكم الصفة التي يكون العالم بها حجة .
واذا جهل الجاهل الصفة من العالم ، وكان جاهلا بمنزلته التي يكون بها حجة عليه مع العلماء بالحجة ، زال عنه بذلك الحجة فيما يسعه جهله .