باب القول في تحريم الخنزير
الجزء ٣ · صفحة ٩٦فإن قال : فيجوز لأحد أن ينزل نفسه في وجه من الوجوه أو حجة يحكم بها بأنها حجة على غيره .
قلنا له : نعم إذا كان في ظاهر أمره عند من تعبده الله فيه من عباده أنه حجة بصفته ، كان عليه أن يحكم على من قامت عليه حجة الله منه ، كما عليه أن يحكم على من قامت عليه حجة الله من غيره ، ولو كان هذا لا يجوز لم يكن يجوز للحاكم أن يحكم على من هو عليه حجة في دين الله ، ولا يجوز للإمام أن يقيم الحدود على من جعله الله حجة عليه ، حتى يعلم أنه زاكي النفس عند الله في علم الغيب ، بل عليه التوبة مما يعلم من نفسه من الذنوب والمعاصي والكبائر ، ويقوم بحجة الله فيمن قامت عليه وبمن قامت عليه ، ولو كان يعلم في سريرته أنه زنديقي ، وقد ظهر على هذا منه ما قد صار عليه حجة فليس له أن يضيع حجة الله التي قد قامت به على هذا ، إذ هو عاص لله في سريرته ، فيكون قد ضيع فريضة من فرائض الله ، لمعصية من معاصي الله ، وقد ركب ما نهاه الله عنه -تبارك وتعالى - إذ قال : (وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوَاْ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ) (1) .
فتأول ذلك أهل العلم بأصح التأويل ، أن ذلك العبد تكون منه المعصية والسيئة ، ثم تعرض له المعصية ، ثم يمضي على ذلك قدما بترك الطاعات للمعصية ، ويركب المعاصي للمعصية ، فكان ذلك هو إلقاؤه بيده إلى التهلكة ، وحثه مع ذلك وأمره فقال تعالى : وأحسنوا ، أي وتوبوا من المعصية كلها ، الأولى والآخرة ، ولا تتركوا شيئا من الطاعة لمعصية ، ، ولا تركبوا شيئا من المعصية لمعصية .