البعد الحضاري للعقيدة عند الإباضية (نسخة الأطروحة) فرحات بن علي الجعبيري

الرد على من يفرق بين الحكاية والمحكي:

الجزء ١ · صفحة ٣٦٣

وإن كان القرآن هو المحكي القائم بذاته تعالى وهو لم ينزل فقد ظاهوا بقولهم هذا قول من قال ( ما أنزل الله على بشر من شيء) (6 الأنعام 91) وهذا مخالف للإجماع…

وأيضا لو كانت الحكاية غير المحكي لكان النبي قد أتى بخلاف ما أتى به جبريل وما أتى جبريل خلاف ما نقله عن مكائيل، وما أتى به مكائيل خلاف ما نقله إسرافيل، فيكون كل واحد منهم أتى بخلاف ما أتى به غيره وإلا فكيف يجوز في الشيء مالا يجوز في مثله، وهل هذا إلا تجاهل.

وأيضا لو لم يكن هو القرآن وكان عبارة وحكاية لما صح التحدي والإعجاز بسورة منه ولجاز أن يعارض بعبارة مثل تلك العبارة لأنه كما جاز لمن أتى به التعبير عنه والحكاية يجوز لغيره الناكرين لما أتى به أن يعارضوه بعبارة وحكاية مثله، لكنهم استيقنوا أن تتساقط مقدرتهم دونهم ولم تظهر معجزتهم على أن يأتوا بمثله ولم يبلغ من الجزالة وحسن النظم المبالغ التي بدت بلاغة لكل ناطق وشقت غبار كل سابق ولم يتجاوز الحد الخارج من قوى الفصحاء ولم يقع وراء مطامع أعين البصراء إلا أنه ليس بكلام البشر وأنه كلام خالق القوى والقدر فهؤلاء المقرون منهم اعتقدوا أنه كلام الله ولم يرتكبوا هذا التأويل الفاسد لما تكرر ذكره في القرآن في أربعة وخمسين موضعا على ما ذكر ابن عطية تأويل ما ذكر ليس بسديد والتأويل لا يصار إليه إلا إذا وجدوا ما يمنع الظواهر ويحيلها.

وأيضا هذه العبارة هل هي القرآن أم غيره؟

فإن قلتم إنها ليست بالقرآن فهل هي قديمة أم محدثة؟ فإن قلتم إنها قديمة فقد أثبتم القدم لغير القرآن الذي قلتم إنه كلام الله وإنه قديم أزلي.

وإن قلتم هي القرآن وإنها قديمة فقد رددتم على الآية والأدلة التي دلت على حدوثها وهي التي تقدم ذكرها.

وإن قلتم إنها هي القرآن وإنها محدثة فقد أقررتم بما أنكرتم أولا ورجعتم إلى الحق والصواب" (109) .

٣٦٣ / ٧٤٦