سورة الشعراء
الجزء ٣ · صفحة ١٩٤وأُزلِفَت الجَنَّة} أي: طويت مسافتها ﴿للمتَّقِين (90)﴾ الطائرين (1) لها ﴿وبُرِّزت الجحيم للغاوِين (91)﴾ السالكين سبيلها. ﴿وقيل: لَهُم أين مَا كُنتُم تعبدُون (92) مِن دون الله هل يَنصرونكم أو ينتصرُون (93)؟ فَكُبكِبوا فِيهَا هم والغاوُون (94)﴾ أي: الآلهة وعبدتهم؛ والكبكبة: تكرير الكبِّ لتكرير مَعنَاه، كَأنَّ مَن أُلْقيَ فيِ النار ينكبُّ مرَّة بعد أُخْرَى؛ وقيل: طرح بعضهم عَلَى بعض. ﴿وجنودُ إبليسَ أجمعُون (95)﴾ متَّبعوه من عصاة الثقلين، أو شياطينه.
﴿قَالُوا وَهُم فِيهَا يَختصمُون (96)﴾ وباختصامهم فِيهَا يُعذَّبون: ﴿تالله إن كُنَّا لفي ضلال مُبِين (97) إذ نُسوِّيكم بِرَبِّ الْعَالَمِين (98)﴾ أي: فيِ استحقاق العبادَة والألوهية؛ والمَعنَى: أنَّهم مَعَ تَخاصمهم فيِ مبدإ ضلالهم، معترفون بانهماكهم [419] فيِ الضلالة، متحسِّرون عليها. ﴿وَمَا أضلَّنا﴾ أي: وَمَا دعانا إِلىَ الضلالة الذِينَ اقتدينا بهم، ﴿إلاَّ المجرمُون (99) فما لَنَا من شافعِين (100) وَلاَ صديق حميم (101) فلو أن لَنَا كرَّةً﴾ رجعة إِلىَ الدُّنْيَا، ﴿فنكون مِنَ المؤمنِين (102)﴾.
﴿إنَّ فيِ ذَلِكَ لآية﴾ لَحجَّة وعظةً لِمَن أَرَادَ أن يستبصر بها ويعتبر؛ فإنَّها جاءت عَلَى أنظم تَرتيب، وأحسن تقرير، يتفطَّن المتأمِّل فِيهَا لغزارة علمه، لِمَا فِيها مِنَ الإشارة إِلىَ أصول العلوم الدينيَّة عَلَى دلائلها، وحسن دعوته للقوم، وحسن مُخالفته معهم، وكمال إشفاقه عَلَيْهِم، وقصور الأمر فيِ نفسه. وإطلاق الوعد والوعيد عَلَى سبيل الحكاية تعريضا وإيقاظا، ليكون أدعى لَهُم إِلىَ الاستماع والقبول، ﴿وَمَا كَانَ أكثرهم مؤمنِين (103) وإنَّ رَبَّكَ لَهو العزيز الرحيم (104)﴾.
{
(1) - … كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «الصائرين إِلَيْهَا».