سورة النمل
الجزء ٣ · صفحة ٢٠٧فَلَمَّا جاءتهم آياتنا مُبْصِرةً} بيِّنةً، اسم فاعل أُطلق للمفعول، إشعارا بأنَّها لفرط اجتلائها للأبصار بحيث تكاد تبصر نفسها، ﴿قَالُوا: هَذَا سحر مُبِين (13)﴾ واضح سحريَّته. ﴿وجحدوا بها﴾ وكذَّبوها، ﴿واستيقنتها أنفسهم﴾ صارت بمعنى اليقين؛ ولكن عاندوها، ﴿ظلما﴾ لأنفسهم، ﴿وعُلُوًّا﴾ ترفُّعا مِنَ الإيمان، ﴿فانظر كيف كَانَ عاقبة المفسدِين (14)﴾.
﴿وَلَقَد آتينا داوودَ وسليمان علما، وقالاَ: الحمد لله الذِي فضَّلنا عَلَى كثير من عباده المؤمنِين (15)﴾ يعني: من لم يؤتَ علما؛ أو مثل علمهما؛ وفيه دليل عَلَى فضل العلم وشرف أهله، حيث شَكَرا الله عَلَى مَا آتاهما مِنَ العلم، وجعلاه أساس الفضل؛ ولم يذكرا دونه مَا أوتيا مِنَ المُلك مَا لم يؤتَ غيرهما؛ وتحريض للعالم أن يَحمد الله عَلَى مَا آتاه مِن فضله، وأن يتواضع ويعتقد أنَّه وإن فُضِّل عَلَى كثير فقد فُضِّل عليه كثير.
﴿وَوَرِث سليمانُ داوودَ﴾ النبوَّة، أو العلم، أو الملك، بأن قام مقامه فيِ ذَلِكَ دون سائر بنيه، ﴿وقال: يَا أَيُّهَا الناس عُلِّمنا مَنطقَ الطير، وأُوتينا من كُلِّ شيء﴾ تشهيرا لنعمة الله، وتنزيها لها (1)، ودعاء للناس إِلىَ التصديق بذكر المعجزة التِي هِيَ علم منطق الطير، وغير ذَلِكَ من عظائم مَا أوتيه، ﴿إنَّ هَذَا لَهو الفضل الْمُبِين (16)﴾ الذِي لاَ يَخفى عَلَى أحد.
{
(1) - … كذا فيِ الأَصْلِ، ولا مَعْنَى له، وَفيِ تفسيرَيْ الزمخشري وأبي السعود: «وتنويها بها». الزمخشري: الكشَّاف، 3/ 278. أبو السعود: تفسير، مج3/ ج6/ ص277.