سورة النمل
الجزء ٣ · صفحة ٢١٧قيل لها: ادخلي الصرح، فَلَمَّا رأته حَسِبَته لُجَّة، وكشفت عَن ساقيها} روي: أنَّه أمرَ قبل قدومها ببناء قصر، صحنه من زجاج أبيض، وأجرى من تَحتِه الماء، وألقى حيوانات البحر، ووضع سريره فيِ صدره، فجلس عليه؛ فَلَمَّا أبصرته ظنَّته ماءً راكدا، فكشفت عَن ساقيها، ﴿قَالَ: إِنَّهُ صرحٌ مُمرَّد﴾ مُملَّس ﴿مِن قوارير﴾ من الزجاج. وتلك أسوة حسنة لملوك الدين، بإلقاء القوَّة والهيبة والحيلة عَلَى مَن عاداهم فيِ دين الله؛ فإنَّها مَا نزلت هَذِهِ الآيات بِخبر صنعهم عبثا وَلاَ لعبا، بَل لِحكمة قاهرة وحجَّة باهرة. فَلَمَّا رأت مَا رأت، ﴿قالت: رَبِّ إِنِّي ظلمت نفسي﴾ بعبادةِ غيرك، ﴿وأسلمت مَعَ سليمانَ لله رَبِّ الْعَالَمِين(44)﴾ فيما أمر بِهِ عباده.
﴿وَلَقَد أرسلنا إِلىَ ثَمود أخاهم صالحا أن اعبدوا الله فإذا هم فريقان يَختصمُون(45)﴾ تفاجأ التفرُّق والاختصام، فآمن فريق، وكفر فريق. ﴿قَالَ: يا قوم لم تستعجلون بالسيِّئة﴾ بالعقوبة، فتقولون ائتنا بِمَا تعدنا، ﴿قَبل الحسنةِ﴾ قبل التوبة، فتؤخِّرونها إِلىَ نُزول العذاب، ﴿لولا تستغفرون الله﴾ قبل نزوله، ﴿لَعَلَّكُم تُرحمون(46)﴾ بقبولها، فإنَّها لاَ تُقبل حين ذَلِكَ.
﴿قَالُوا اطَّيرنا﴾ تشاءمنا ﴿بك وبمن معك﴾ إذ تَتَابَعَت علينا الشدائد؛ أو وقع بيننا الافتراق منذ اخترعتم دينكم، ﴿قَالَ: طائركم﴾ سببكم الذِي جاء مِنْهُ شركم، ﴿عند الله﴾ وَهُوَ قدَرُه؛ أو علمكم المكتوب عنده؛ أي: مَا يصيبكم مِنَ الخير والشرِّ مِن عند الله بأمره، وَهُوَ مكتوب عليكم؛ يُسمَّى طائرا لسرعة نزوله بالإنسان، فإنَّه لاَ شيء أسرعَ مِن قضاء مَحتوم. وَقِيلَ عَن ابن عبَّاس: «الشؤم أتَاكم من عند الله لكفركم». ﴿بَل أَنتُم قوم تُفتنُون(47)﴾ تُختبرون بتعاقب السَّرَّاء والضَّرَّاء.
{