التفسير الميسر سعيد بن أحمد بن سعيد الكندي

سورة القصص

الجزء ٣ · صفحة ٢٤٥

وابتغِ فيما آتاك الله} مِنَ الأموال والأولاد والأزواج، وقوَّة الأجسام وصحَّتها، والعلم وغير ذَلِكَ، ﴿الدارَ الآخِرَةَ﴾ بِصرفِه فيما يُوجبها لك؛ فإنَّ المقصودَ مِنْهُ أن يكونَ وصلةً إِلَيْهِا، ﴿وَلاَ تَنسَ﴾ وَلاَ تَترك تَرك المنسيِّ ﴿نَصيبَك مِنَ الدُّنْيَا﴾ مِمَّا خوَّلك الله منها، وَهُوَ أن تُحصِّل بها آخرتك؛ لأَنَّ حقيقةَ نصيبِ الإنسان مِنَ الدُّنْيَا (لَعَلَّهُ) لِعمل الآخرة؛ وقيل: لاَ تنس صحَّتك وقوَّتك (لَعَلَّهُ) وشبابك وغِنَاك أن تطلب بها الآخِرَة، ﴿وأَحسِنْ﴾ مَا يَجب عليك أن تُحسنَه مَا بينك وبينَ الحقِّ والخلق، ﴿كما أحسن الله إليكَ﴾ أنعم عليك؛ وقيل: أَحسِن بالشكر والطَّاعة كما أَحسَنَ إليك بالإنعام، ﴿وَلاَ تَبغِ الفسادَ فيِ الأَرْض﴾ وَهُوَ العبادة لغير الله، واستعمال مَا خوَّلك إيَّاه لغيره؛ وهذه معنى تعزية أهل العلم للجاهلين إِذَا أوتو شَيْئًا مِنَ الدُّنْيَا، [444] ﴿إنَّ الله لاَ يُحِبُّ المفسدِينَ(77)﴾ بَل يُبغضهم ويُعَادِيهم.

﴿قَالَ: إِنَّمَا أُوتيته عَلَى علمٍ عِندي﴾ وذلك من نَتائج العُجْبِ، وَهُوَ طبع النفوس، وَلاَ يزول عنها إِلاَّ بالدفع والتزكية لها مِنْهُ؛ وَهُوَ من شِبَاكِ الشيطان يَصيد بِهِ الجهَلَة، ﴿أولم يعلم أنَّ الله قد أهلك مِن قبله مِنَ القرون مَن هُوَ أشدُّ مِنْهُ قوَّة وأكثرُ جَمعا﴾ تعجُّبٌ وتوبيخٌ عَلَى اغتراره بقوَّته، وكثرة ماله مَعَ علمه بذلك، ولَعَلَّهُ قرأه فيِ التَّوْرَاة، أو سَمعه من حفَّاظها، ﴿وَلاَ يُسألُ عَن ذُنُوبهم المجرمُونَ(78)﴾ (لَعَلَّهُ) سُؤال استعلام؛ فإنَّه تعالى مطَّلع عليها؛ أو معاتبة، فإنَّهم يُعذَّبون بها بغتة؛ كأنَّه لَمَّا هَدَّد قارونَ بذكر إهلاك مَن قَبله مِمَّن كَانُوا أقوى مِنْهُ وأغنى، أكَّد ذَلِكَ بأن بيَّن أنَّه لم يكن مَا يَخصُّهم، بَل الله مُطَّلِع عَلَى ذنوب المجرمين كلِّهم، ومعاقبهم عليها لاَ مَحالة.

{

١٬٠٦٠ / ١٬٥٨٨