التفسير الميسر سعيد بن أحمد بن سعيد الكندي

سورة الروم

الجزء ٣ · صفحة ٢٦٨

أولم يَتفكَّرُوا فيِ أنفسهم} أولم يُحدِثُوا التفكُّر فِيهَا؛ أو لم يتفكَّروا فيِ أمر أنفسهم، فإنَّها أقرب إِلَيْهِم [454] من غيرها، ومرآة يتجلَّى فِيهَا للمستبصر، مَا يتجلَّى لَهُ مِنَ الممكنات بأسرها، ليتحقَّق لَهُم قدرة مُبدِعها عَلَى إعادتها، لقُدرته عَلَى إبدائها، ﴿مَا خلق الله السَّمَاوَاتِ والأَرْضَ وَمَا بينهما إِلاَّ بِالْحَقِّ وأجلٍ مُسمًّى، وإنَّ كثيرًا مِنَ الناس بلقاء ربِّهم لَكَافِرُونَ (8)﴾.

﴿أولم يسيروا فيِ الأَرْض فينظروا كيف كَانَ عاقبة الذِينَ من قبلهم﴾ تقرير لسيرهم بأجسادهم؛ أو بالتفكير بقلوبهم فيِ أقطار الأَرْض، ونظرهم إِلىَ آثار المدمَّرين؛ أو إِلىَ أخبارهم قبلهم، ﴿كَانُوا أشدَّ مِنْهُم قُوَّة، وأثاروا الأَرْضَ﴾ (لَعَلَّهُ) حرثوها، وقلبوا (1) وجهها لاستنباط المياه، واستخراج المعادن، وزرع البذور وغيرها، ﴿وعَمَرُوها أكثر مِمَّا عَمَرُوها﴾ وفيه تهكُّم بهم، من حيث إنَّهم مُغترُّون بالدُّنْيَا، مُفتخِرون بها؛ وَهُم أضعف حالا، وأقلُّ مالا وحيلة مِنَ الذِينَ سبقوا؛ ومدارُ أمرهم عَلَى التبسُّط فيِ البلاد والتسلُّط عَلَى العباد، والتصرُّف فيِ أقطار الأَرْض بأنواع العمارة؛ وهؤلاء ضعفاء مُلجؤون إِلىَ واد لاَ نفع لها، ﴿وجاءتهم رُسُلهم بِالبَيِّنَاتِ فما كَانَ الله لِيظلِمَهم﴾ لِيعاملهم معاملة مَن يريد ظلمهم، ﴿ولكن كَانُوا أنفسَهم يَظلِمُونَ (9)﴾ حيث عملوا مَا أدَّى إِلىَ تدميرهم.

﴿ثُمَّ كَانَ عاقبة الذِينَ أساءوا السُّوأَى أن كَذَّبوا بِآيَاتِ الله وكَانُوا بها يستهزءُونَ (10)﴾ معناه: ثُمَّ كَانَ عاقبة الذِينَ اقترفوا الخطيئة أن طبع الله عَلَى قلوبهم، حتَّى كَذَّبوا الآيات واستهزؤوا بها.

{

(1) - … في الأصل: «وقبلوا»، وهو خطأ.

١٬٠٨٣ / ١٬٥٨٨