التفسير الميسر سعيد بن أحمد بن سعيد الكندي

سورة الروم

الجزء ٣ · صفحة ٢٧٧

فإنَّك لاَ تُسمع الموتى} وَهُم مثلهم لمَّا سدُّوا عَن الحقِّ مشاعرَهم، ﴿وَلاَ تُسمع الصمَّ الدعاء إِذَا ولَّوا مدبرِينَ (52)﴾ قيَّد الحكم بِهِ ليكون أشدَّ استحالة؛ فإنَّ الأصمَّ المقبل، وإن لم يسمع الكلام، يتفطَّن مِنْهُ بواسطة الحركات شيئًا. ﴿وَمَا أنتَ بهادي العميِ عَن ضلالتهم﴾ سمَّاهم عميا لفقدهم المقصود الحقيقيَّ من الإبصار، أو لِعمى قلوبهم، ﴿إن تُسمع إِلاَّ من يُؤْمِنُ بِآيَاتِنا﴾ فإنَّ إيمانهم يدعوهم إِلىَ تلقِّي اللفظ، وتدبُّر المعنى، ﴿فَهُم مُسْلِمُونَ (53)﴾ منقادون لِمَا تأمرهم بِهِ.

﴿الله الذِي خلقكم مِن ضَعف﴾ أي: ابتدأكم ضعفاء، وجعل الضعف سائر أمركم، لقوله: ﴿وخُلِقَ الإنسانُ ضعيفا﴾ (1). ﴿ثُمَّ جعل من بعدِ ضَعف قُوَّة﴾ وذلك إِذَا بلغتم الحلم، ﴿ثُمَّ جعل من بعد قوَّة ضَعفًا وشَيْبَةً، يخلُقُ مَا يَشَاء﴾ من ضعف وقوَّة وشيبة، ﴿وَهُوَ العليم القدير (54)﴾ فإنَّ الترديد فيِ الأحوال المختلفة مَعَ إمكَان غيره دَلِيل العلم.

﴿ويوم تقومُ الساعةُ﴾ القيامة، سُمِّيت بها لأَنَّهَا تقوم فيِ آخر ساعة من ساعات الدُّنْيَا، ولأنَّها تقع بَغتة، وصارت عَلَما لها بالغلبة، كالكوكب للزَّهرة، ﴿يُقسم المجرمون مَا لَبثوا﴾ فيِ الدُّنْيَا، أو فيِ القبور، ﴿غيرَ ساعة﴾ استقلُّوا مدَّة لبثهم إضافة إِلىَ مدَّة عذابهم فيِ الآخِرَة؛ أو كما قَالَ: ﴿كأنَّ لم تَغنَ بالأمس﴾ (2)، لأَنَّ الماضي لاَ شيء، ﴿كذلك﴾ مِثل ذَلِكَ الصرف عَن الصدق والتحقيق، ﴿كَانُوا يُؤفكُونَ (55)﴾ يُصرفون فيِ الدُّنْيَا والآخِرَة.

{

(1) - … سورة النساء: 28.

(2) - … سورة يونس: 24.

١٬٠٩٢ / ١٬٥٨٨