التفسير الميسر سعيد بن أحمد بن سعيد الكندي

سورة لقمان

الجزء ٣ · صفحة ٢٨١

وَلَقَد آتينا لقمانَ الحكمةَ} الحكمة فيِ عُرْف العلماء: استكمال النفس الإِنسَانِيَّة باقتباس العلوم النظريَّة، واستكمال الملكة التامَّة عَلَى الأفعال الفاضلة، عَلَى قدر طاقتها؛ وكلُّ من استكمل طاعة الله تعالى، واجتنب كبائر مَا نهي عَنْهُ، فقد أوتي الحكمة؛ وضدُّه [مَن] لم يبلغها ولم يؤتها، وتعبَّر الحكمة بالعقل والعلم (لَعَلَّهُ) والعمل والإصابة فيِ الأمور. ومن حكمته أنَّه صحب داوود شهورا وكَانَ يسرد الدرع فلم يسأله عنها، فَلَمَّا أتَمَّها لبسها، وقال نِعم لَبوس الحرب أنت، فقال: «الصمت حكم، وقليلٌ فاعله»، وأنَّ داوود قَالَ لَهُ يوما: كيف أصبحت؟ فقال: «أصبحت فيِ يد غيري»، فتفكَّر داوود في نفسه فصعق. وأنَّه أُمر أن يذبح شاة، ويأتي بأطيب مُضغتين منهَا؛ فأتى باللسان والقلب؛ ثُمَّ بعد أيَّام أمر [بأن] يأتي بأخبث مضغتين منها، فأتى بهما أَيْضًا؛ فسأله عَن ذَلِكَ فقال: «هما أطيب شيء إِذَا طابا، وأخبث شيء إِذَا خبثا». ﴿أن اشكر لله﴾ فإنَّ إيتاء الحكمة فيِ مَعنَى القول، ﴿ومن يشكر فَإِنَّمَا يشكرُ لنفسه﴾ لأَنَّ نفعه عائد إِلَيْهِا وَهُوَ دوام النِّعمة، واستحقاق مزيدها، ﴿ومن كَفَر فإنَّ الله غنيٌّ﴾ لاَ يحتاج إِلىَ الشكر، ﴿حميد(12)﴾ حقيق بالحمد وإن لم يُحمد، ومحمود نطق بحمده جميع مخلوقاته بلسان الحال.

﴿وإذ قَالَ لقمان لابنه وَهُوَ يعظه: يا بُنَيَّ لاَ تشرك بالله إنَّ الشرك لَظُلمٌ عظيم(13)﴾ لأَنَّ تسويته بين من لاَ نعمة إِلاَّ مِنْهُ، ومن لاَ [461] نعمة منه ظلمٌ بيِّن منافٍ للحكمة.

{

١٬٠٩٦ / ١٬٥٨٨