التفسير الميسر سعيد بن أحمد بن سعيد الكندي

سورة سبأ

الجزء ٣ · صفحة ٣٢٠

ولسليمانَ الريحَ} أي سخَّرنا لَهُ الريحَ، ﴿غدوُّها شهرٌ ورواحها شهرٌ، وأسلنا لَهُ عينَ القِطْرِ﴾ النحاس المذاب أسيل لَهُ من معدنه؛ قيل: كَانَ يسيل فيِ الشهر ثلاثة أيَّام بإذن الله تعالى. ﴿ومن الجنِّ من يعملُ بين [478] يديه بإذن ربِّه ومن يَزِغ مِنْهُم عَن أمرنا﴾ ومن يَعدل مِنْهُم عَن مَا أمرناه من طاعة سليمان، ﴿نُذقه من عذاب السعير (12)﴾ عذاب الآخِرَة؛ ويحتمل فيِ الدُّنْيَا، وذلك قيل: إنَّ الله عزَّ وجلَّ وكَّل بهم مَلَكًا بِيده سوطا من نار، فمن زاغ مِنْهُم عَن أمره ضربه ضربة أحرقته.

﴿يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاء من محاريب﴾ قيل: قصورا حصينة، ومساكن شريفة؛ سُمِّيت بِهِ، لأَنَّهَا تذبُّ عَنْهُ، ويحارب عليها (1). ﴿وتماثيل﴾ (لَعَلَّهُ) قوالب لآلات الصنائع، يكون كالمثل لها فيِ الصغر والكبر والهيئة؛ وقيل غير ذَلِكَ، ﴿وجفانٍ﴾ وصحاف ﴿كالجوابِ﴾ كالحياض الكبار، جمع جابية. ﴿وقدور راسيات﴾ ثابتات عَلَى الأثافي لاَ تنزل عنها (لَعَلَّهُ) لعظمها، أو خُلقت لها أثافي منها، ﴿اعملوا آلَ داوود شُكرًا﴾ اعملوا واعبدوه شكرا، أو لأَنَّ العمل لَهُ شكرٌ (2)، ﴿وقليل من عبادي الشكور (13)﴾ المتوفِّر عَلَى أداء الشكر بِقلبه ولسانه وجوارحه أكبر أوقاته، ومع ذَلِكَ لاَ يوفَّى حقُّه، لأَنَّ توفيقه للشكر نعمة تستدعى شكرا آخر إلى مَا لا نهاية لذلك، ولذلك قيل: الشكور من يرى عجزه عَن الشكر.

﴿فَلَمَّا قضينا عليه الموتَ مَا دلَّهم عَلَى موته﴾ مَا دلَّ الجنَّ، وقيل: آله، ﴿إِلاَّ دابةُ الأَرْضِ تأكل منسأته﴾ قيل: عصاه، ﴿فَلَمَّا خرَّ تَبَيَّنَت الجنُّ أن لو كَانُوا يَعْلَمُونَ الغيبَ مَا لَبِثوا فيِ العذاب المهِينِ (14)﴾ فانظر سمَّاه الله عذابا مهينا.

{

(1) - … وَفيِ تفسير أبي السعود: «لأَنَّهَا يُذَبُّ عَنْهَا، ويُحارَب عليها»، ويبدو أَنَّهُ أصوب. ر: مج4/ ج7/ ص125.

(2) - … فيِ الأَصْلِ: «شكرًا».

١٬١٣٥ / ١٬٥٨٨