التفسير الميسر سعيد بن أحمد بن سعيد الكندي

سورة سبأ

الجزء ٣ · صفحة ٣٢٢

فَقَالُوا رَبَّنَا باعِدْ بين أسفارنا} أَشروا النعمة، وملُّوا العافية كبَنِي إِسْرَائِيلَ؛ وليس سؤال هؤلاء وأمثالهم بأعجب من اختيار (1) الفقر عَلَى الغنى، ومعيشة الضنك عَلَى الحياة الطيِّبة، والجهد فيِ طلب المعيشة عَلَى العبادة، وَهُم الذِينَ رزقهم الله مَا يكفيهم، ويطلبون المزيد لغيرهم لا لَهُم، ﴿وظلموا أنفسهم﴾ بالبطر والطغيان حيث بطروا النِّعمة، ولم يعتدُّوا بها عُدَّة الآخِرَة، [479] ﴿فجعلناهم أحاديثَ﴾ يتحدَّث النَّاس بهم تعجُّبا، ومِنْهُم تفكُّها، ومنهم من يعتبر بهم ويتَّعظ، ﴿ومزَّقناهم كُلَّ مُمزَّق﴾ قيل: فرَّقناهم، ﴿إنَّ فيِ ذَلِكَ لآيات﴾ لعبر ودلالات، ﴿لِكُلِّ صبَّار﴾ عَن المعاصي، ﴿شكور (19)﴾ عَلَى النعم.

﴿وَلَقَد صَدَّقَ عَلَيْهِم إبليسُ ظنَّه﴾ أي ظنَّ فِيهِم ظنًّا وصدق فيِ ظنِّه، أو صدق بظنٍّ ظنَّه؛ وقرئ بالتشديد بمعنى: حقَّق ظنَّه أو وجده صادقا، (لَعَلَّهُ) وَهُوَ قوله: ﴿وَلاَ تجدُ أكثرَهم شاكرين﴾ (2)، ﴿فاتَّبعوه إِلاَّ فريقا مِنَ المؤمنِينَ (20)﴾ (لَعَلَّهُ) قيل: إنَّ إبليس لعنه الله لمَّا سأل النظرة فأنظره، قَالَ: لأُضلنَّهم ولأُغوينَّهم، لم يكن مستيقنا وقت هَذِهِ المقالة أنَّ مَا قاله فِيهِم يتمُّ أم لاَ، وإنَّما قاله ظنًّا، فَلَمَّا اتَّبعوه وأطاعوه صدق عَلَيْهِم مَا ظنَّه فيهم. قَالَ الحسن: «إِنَّهُ لم يسلَّ عَلَيْهِم سيفا، وَلاَ ضربهم بسوط، إِنَّمَا وعدهم ومنَّاهم فاغترُّوا». ﴿وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِم مِّن سلطان﴾ تسلُّط بالاستغواء، ﴿إِلاَّ لِنعلم من يُؤْمِنُ بالآخِرَة مِمَّن هُوَ منها فيِ شكٍّ﴾ ليتميَّز المؤمن مِنَ الشاكِّ. ﴿ورَبُّكَ عَلَى كُلِّ شيء حفيظ (21)﴾.

{

(1) - … فيِ الأَصْلِ: «من اختار»، ويمكن أن يريد المُصَنِّف: «ممَّن اختار».

(2) - … سورة الأعراف: 17.

١٬١٣٧ / ١٬٥٨٨